نهار السبت

تابعنا على:   18:52 2019-11-23

حازم أبو كرش

أمد/ ماذا سأفعل اليوم؟ ليس في نيتي فعل شيء ولست مضطرا لفعل شيء. يمكنني على الأرجح أن أعقد صداقة من هنا من وراء نافذتي مع هؤلاء امثالي في الشارع من يتبادلون الحديث ولا يعرفون ماذا سيفعلون اليوم.
لا يزال اليوم في بدايته وبضع دقائق من الصداقة لا تكفي اليوم. ربما يجب أن أتمشى قليلا في المدينة. أظنها ستمطر. طال انحباس المطرِ والطقس يوشي بنوايا بعض الغيوم.

نظرت الى أثاث غرفة مكتبي من غيرِ أن أتحرك من مكاني. نظرة صغيرة قد تجعل هذا الأثاث صديقي. لا أعرف لماذا أهجس اليوم بالأصدقاء. الغرفة فارغة، واليوم أنا وحدي ويمكنني أن أكون جمهورها الوحيد. تحركت يدي وضغطت على زر المذياع، خيل لي أن نطاقه مثبت على إذاعه واحده، مملة، تكرر ذات الثرثرة الصوتية بلا توقف.

في داخلي يتسق الشطح مع الخيال، أما من الخارج فأبدو أراقب حائط الغرفة. كنت أنظر الى أفكاري القديمة العالقة على الطلاء، يذكرني ذلك بعذاب السينما في قصر بيتشنيك الذي وصفه يولويوس فوتشيك فـي يومياته في سـجن الـغـسـتـابـو. غرفة فسيحة بستة بنوك طويلة في صفوف متزاحمة تحتلها أجسام المتهمين بلا حراك، والجدار الفارغ أمامهم كشاشة السينما. لم تتمكن كل منتجات العالم أن تخرج أفلاما مثل التي تعرضها عيون المتهمين على الجدار، بانتظار استجواب جديد، بانتظار العذاب والموت، هي أفلام الحياة كلها، لم تكن تفاصيل الحياة الصغيرة، أفلام ملؤها الخوف والقلق والأمل.

خرجت الى الشارع، وتمشيت على الرصيف قاصدا البحر، أخذني نهر المارة الفقراء، كانوا يسيرون بخطى مثقلة، مشيت معهم تاركا نفسي لتيار النهر البائس المستسلم للواقع، مدينتنا عظيمة الاتساع، امتصت حاراتها نهر السائرين بيسر. لما علت شمس النهار الى كبد السماء، انتبهت بعد تيه ذهني الى مقصدي، أخرجني ظهور البحر امامي من توالي الأفكار وانتظام خطاي. أسرعت الخطى أملا في الوصول الى مبتغاي، صارت أرضية الشوارع رملية، رائحة البحر قوية، وصوت أمواجه تداعب أذني.

على مقربة من الموضع الذي يتلاشى فيه زبد الأمواج، تقرفصت وبقيت جالسا هنالك لساعات. أحدق في موج البحر، يعلو ثم يهبط. اراقب شباك الصيادين، حديد الكورنيش الصدئ والنوارس. إن النوارس مثلي، تقضي وقتها لا تفعل شيئا، لا تفعل إلا مجرد الوقوف هناك. يمكنك ان تقول إن ذلك نوع من الانتظار. بالمناسبة تقول الأسطورة أن النوارس ولدت من المناديل الملوحة بالتوديع في الموانئ.

في طريق عودتي جلست على مقعد حجري تحت سنديانة عجوز، أستظل بأوراقها، ترى ما حكايتها؟ وكيف هرمت، وعلى أي شيء كانت شاهده؟ لو كان لهذه السنديانة رقاقة ذاكرة إلكترونية، كتلك التي توجد في الكاميرات الحديثة، ماذا تراها قد تعرض لي، ربما أباءنا في صغرهم يلتحقون بطوابير إطعام الفقراء "الطعمه"، وربما كشك بائع الجرائد الذي كان بالقرب قبل سنين منصرمة، وتوافد المشترون علية قبل أن يضمحلوا مع الزمن وينقرضوا. أو قد تكون التقطت بوضوح النمط المختلف الذي يفرق بين العاب البنين والبنات تحتها.

وصلت منزلي أخيرا، النافذة نفسها، الجالسون العاطلين عن العمل أنفسهم، الأسفلت الجاف بعينه، وبعض الغيوم، لا شيء تغير منذ الصباح، فقط عقارب الساعة تقدمت، أنظر من النافذة، أنها تمطر أخيرا.

اخر الأخبار