حديث في الذكرى 56 لتأسيس منظمة التحرير

تابعنا على:   07:14 2020-05-30

رامز مصطفى

أمد/ تأسست منظمة التحرير بقرار رسمي عربي من جامعة الدول العربية في كانون الثاني عام 1964 ، والذي لم يكن بريئاً على الإطلاق ، وهذا ما أثببته الوقائع التاريخية . وقد عُقِدّ الاجتماع الأول للمنظمة في 28 أيار عام 1964 ، بحضور 422 شخصية فلسطينية بارزة ، الذين انتخبوا الراحل الكبير المناضل أحمد الشقيري كأول رئيس للمنظمة ، الذي جهد وناضل من أجل حماية المنظمة من الصراعات والتجاذبات بين الدول العربية ، على عكس ما اتهم به من قبل خصومه في الساحة الفلسطينية ، بأن المنظمة تأتمر بالأنظمة التي شكلتها ، بحيث تمت الإطاحة بالشقيري . وهنا يبرز السؤال الهام ، هل من اتهموا الشقيري والمنظمة آنذاك بالولاء للأنظمة ، قد تمكنوا بعد أن أطاحوا بالشقيري ، أن يحموا المنظمة وينأوون بها عن ضغوطات النظام الرسمي العربي ؟ ، وهل حققوا استقلالية المنظمة ، عبر شعار القرار الوطني المستقل ، اللذي أوصلنا لكارثة الكوارث ، وخطيئة الخطايا اتفاقات " أوسلو " ؟ .
بعد 56 عاماً على تأسيس المنظمة ، فإن أخطر ما طبع سياق نضالها السياسي الطويل ، تلك التقلبات والتراجعات التي شهدتها ، فكانت موضع وصراع سياسي بين مكوناتها . والتي طالت برنامجها ورؤيتها السياسية ، خلال كل المراحل التي مرت بها المنظمة ، والذي تمثل بداية في تبّني منظمةُ التّحرير ما سمي ب" البرنامج المرحليّ " برنامج النقاط العشر في العام 1974 ، الأمر الذي شرعّ الأبواب ، أولاً ، أمام الاعتراف العربي الرسمي في قمة الرباط بأن المنظمة ممثل شرعي وحيد لشعب الفلسطيني . ثانياً ، وافقت الجمعية العامة للأمم المتحدة بغالبية 105 دول على حضور المنظمة للجلسات المتعلقة بالقضية الفلسطينية . مروراً بالموافقة على مبادرة الملك فهد في قمة فاس الثانية في أيلول 1982 ، والتي جاءت بعد خروج المنظمة والمقاومة الفلسطينية من بيروت ، كنتيجة للاجتياح الصهيوني للبنان . ومن ثم ليأتي إعلان وثيقة الاستقلال العام 1988 في الجزائر ، ليشكل المنعطف السياسي الأكثر وضوحاً في جنوح المنظمة نحو الانفتاح والقبول بالتسوية . من خلال فقرتين كانتا شديدة الوضوح في سياق التسوية ، الأولى ، عندما أعلن أن الدولة العتيدة تؤمن بتسوية المشاكل الدولية والاقليمية بالوسائل السليمة ، واستناداً إلى ميثاق الامم المتحدة وقراراتها , ورفضها لممارسة العنف , والتهديد بالقوة ضد سلامة اراضيها , أو سلامة أراضي أية دولة أخرى ، والمقصود الكيان الصهيوني . والثانية ، اعتبار قرار التقسيم رقم 181 والصادر في تشرين الثاني 1947 ، لا زال يوفر الضمانة في إقرار حق الشعب الفلسطيني في االسيادة والاستقلال وإقامة دولته . التي وبعد مضي 32 عاماً على إعلان وثيقة الاستقلال ، و 27 عاماً على اتفاقات " أوسلو " ها هي الدولة لا تزال بعيدة التحقق .
انخراط منظمة التحرير في مؤتمر مدريد عام 1991 وفق قراري مجلس الأمن 242 و 338 ، اللذان اعترفت بهما المنظمة ، وإن كان من ضمن وفد أردني ، استجابة لشروط الكيان الذي رفض آنذاك الاعتراف بالمنظمة ممثلاً للشعب الفلسطيني . إنما جاء تعبيراً صارخاً عن التزام أصحاب رؤية حل القضية الفلسطينية وإيجاد حل للصراع مع العدو عبر التسوية السياسية . الذي خلُصت بنتيجتها إلى اتفاقات " أوسلو " ، في احتفالية كرنفالية في حديقة البيت الأبيض بحضور الرئيس الأمريكي بيل كلينتون ، وحضور الراحل ياسر عرفات وإلى جانبه رئيس السلطة السيد محمود عباس . وكذلك رئيس حكومة كيان الاحتلال اسحاق رابين وإلى جانبه وزير خارجيته شمعون بيريز . هذا الاتفاق كما المسمار الذي دُقّ في نعش القضية وعناوينها الوطنية ، بعد أن اعترفت منظمة التحرير بالكيان ، وتنازلت عن 78 بالمائة عن أرض فلسطين التاريخية ، مقابل حكم إداري ذاتي ، يتحدث عنه أصحابه بأنه فاقد لكل شيء بعد أعادت قوات الكيان الصهيوني احتلال كامل الضفة الغربية .
بعد مرور 56 عاماً على تأسيس المنظمة ، وبكل هدوء ، السؤال المطروح من قبل طيف من الفصائل المشاركة بالمنظمة قبل غيرهم ، أين هي المنظمة اليوم ؟ ، وحتى لا نقول أنها تتلاشى ، فقد بهُتّ دورها وحضورها ، وتحولت إلى يافطة يتم استحضارها لزوم الشيء ومقتضاه . بعد أن تحولت السلطة ووزاراتها وإداراتها إلى مرجعية ، على عكس ما يتوجب أن يكون عليه الوضع ، بمعنى أن المنظمة هي المرجعية الوطنية لكل المؤسسات ، بما فيها السلطة . وهذا مرده ليس فقط لخلل في البرنامج السياسي ، إنما مرده لتداخل الصلاحيات والأزمات البنيوية والتنظيمية التي تعاني منها المنظمة منذ ما قبل اتفاقات " أوسلو " ، فكيف هي الحال الآن ؟ .
قد يذهب البعض إلى القول إنّ انتقاد المنظمة وبرنامجها السياسي وأدائها التنظيمي ، هو محاولة تهدف إلى إضعافها ، أو النيل من مكانتها وصفتها التمثيلية . بتقديري هذا اتهام متجني ولا مبرر له ، طالما أنّ المنظمة هي ممثلة للشعب الفلسطيني ، فهي بهذا المعنى ليست لفئة من شعبنا دون أخرى ، وهذا حق حفظه إقرار المنظمة بأن كل فلسطيني هو عضواً فيها ، وإن اختلف معها على برنامجها ورؤيتها السياسية الملتزمة باتفاقات " أوسلو 1 و 2 " ، وشطب 12 مادة ، وتعديل 16 مادة من مواد ميثاقها الوطني بمواده لاثلاثين في العام 1996 ، بحضور الرئيس الأمريكي آنذاك بيل كلينتون .
وإذا كان دفاع المدافعين يصح ، فأيضاً اعتراض المنتقدين مشروع ، من خلفية أن التمسك بالمنظمة أو التخلي عنها أساسه وجذره برنامجها ومشروعها السياسي ، الذي يلبي ويستجيب لتطلعات وأماني شعبنا ، ويتمسك بخياراته في مقاومة كيان الاحتلال الذي يُهود القدس عاصمة الشعب الفلسطيني ، ويصادر الأراضي الفلسطينية زارعاً المستوطنات والمستوطنين فوقها ، ويعتقل الآلاف من أسرانا ، ويقتل أبنائنا ، ويحاصر قطاع غزة ليبقي ما يزيد 2 ونص مليون من أهله تحت رحمته . فالمنظمة التي اتفقت الفصائل بما فيها حمس والجهاد قبل 17 عاماً على تطويرها وتفعيلها ، لم يتم التقدم في اتجاه تنفيذه خطوة واحدة ، على الرغم من التحديات التي تواجه القضية وعناوينها الوطنية .