التسول الإلكتروني في غزة.. البداية والنهاية عبر الفضاء الأزرق ولا أحد يخضع للمحاسبة

تابعنا على:   17:55 2020-06-05

سامر ضاحي

أمد/ لطالما كان الفقر عيباً ينخر في نسيج المجتمع، لكن الفقر في قطاع غزة فرض واقعاً يبدو للوهلة الأولى شاذاً، حيث لا يمكن تشبيهه بأي واقع في أي مكان آخر. ففي الوقت الذي يرزح فيه 75 في المئة من سكان القطاع تحت خط الفقر، انتشرت في قطاع غزة محلات السوبر ماركت والمجمعات التجارية الفاخرة التي تزخر بالبضائع التي قد لا تظفر بعض الدول العربية حتى برؤيتها من بعيد.
لسنا هنا بصدد الحديث عن تجارة البضائع في قطاع غزة، فهذه تجارة مشروعة، ولكن كان لا بد من مقدمة تسلط الضوء على الواقع المتناقض في أكثر بقاع الأرض اكتظاظاً بالسكان، قبل أن ننتقل إلى ملف التجارة في معاناة البشر عن طريق استغلال فقرهم وحاجتهم في اتباع أساليب التسول الجديدة التي تتماشى مع روح العصر.
ولما كانت التكنولوجيا هي المسيطر على العالم الآن في ظل هذا التطور الهائل في نظم المعلومات، أصبح لزاماً على المتسولين أيضاً اتخاذ أساليب أكثر تطوراً تحت ذريعة مساعدة الفقراء ودعم المجتمع.
(أ. ث)، هذه الحروف الأولى من إسم آخر المتهمين بقضايا التسول الإلكتروني، وهو شاب يبلغ من العمر 24 عاماً من سكان مدينة رفح جنوب قطاع غزة. احترف هذا الشاب إرسال رسائل التسول من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، وكان يستهدف الدول الخليجية وبعض الفلسطينيين المغتربين في أوروبا وأمريكا من خلال إيهامهم بأنه يشرف على عمليات زراعة كلى وكفالات شهرية للأيتام.
وبحسب الناشط الفلسطيني رائد العطل الذي قام بالكشف عن هذا الملف، فإن (أ.ث) حصل على آلاف الدولارات من خلال البنوك والويسترن يونيون وحسابات الأصدقاء، دون تقديم أية وثائق توضح الأوجه التي تم صرف هذه المبالغ من خلالها، سوى بعض الصور التي ينشرها هذا الشاب على صفحته بموقع "أنستجرام" للفيلا الجديدة التي يمتلكها.
وفي هذا الصدد يقول الكاتب والمحلل السياسي الفلسطيني أكرم عطا الله في حوار خاص، إن "هناك استغلالاً لحالة الفقر في قطاع غزة واستغلالاً لوسائل التواصل الاجتماعي للتواصل مع العالم الخارجي بدعوى التسول أو توزيع المساعدات. وبالتأكيد نظراً لغياب الشفافية، وإلكترونياً من الصعب السيطرة أيضاً، لذلك نتحدث هنا عن طبيعة فساد يمكن أن تكون جزءاً من هذا النظام الذي لا يخضع للمراقبة".
فيما يقول الإعلامي والسيكولوجي معين شلولة، "كل الذين اتخذوا من أوضاع الناس في غزة والكوارث المتلاحقة هناك وسيلة لتحقيق غاياتهم ومن خلال المعاينة والتدقيق هم مزيج من شخصيات سيكوباتية ليست لديها أية مشكلة ولا أدنى شعور بالذنب عند اتخاذ الضحايا وسائل وأفخاخاً ومصائد للمال والمتاجرة بويلاتهم وعذاباتهم".
أما الشاب (م.ص)، الذي يبلغ من العمر 22 عاماً ويعيش بلا أي عمل يذكر، فقد تمكن من جمع مبلغ يتجاوز الـ 100 ألف دولار تحت إسم جمعية وهمية من خلال القيام بحملات تبرع عبر الإنترنت.
يضيف عطا الله، "لا أعرف إذا ما كانت هذه الأموال تراقب بدقة، وما إذا كانت هناك رقابة على البنوك الفلسطينية بالشكل الكافي. فمن الممكن أن يقول المتسول إنه يتلقى هذا المال من أقاربه أو من أخ له يعمل في الخارج، لأن الإنسان إذا فكر بالحصول على الأموال بطريقة غير مشروعة فإنه بالتأكيد سوف يبحث عن مبررات".
أما الناشطة الفلسطينية (ن.ر)، التي تعرف عن نفسها بأنها تعمل في خدمة المجتمع، فقد تخصصت في استجلاب عطف الفلسطينيين المقيمين داخل إسرائيل وتمكنت من جمع عشرات آلاف الشواقل، تم إدخالها إلى قطاع غزة من خلال تحويلات أو بعض التجار المتنفذين بدعوى المساعدة في كفالة الأيتام أو دعم الأسر الفقيرة داخل القطاع، على الرغم من أنها تستخدم إسماً مستعاراً في تلك المهنة التي ثبت بعد البحث أنها تعمل بها منذ أربعة سنوات، دون وجود أرقام دقيقة للمبالغ التي استلمتها على مدار تلك السنوات.
ابتزاز جنسي
قضايا ابتزاز وفساد كثيرة ذاع صيتها خلال الفترة الأخيرة أيضاً كان أبطالها فئة جديدة من المجتمع، فلطالما كان أبطال قضايا الفساد في المجتمع الفلسطيني من القيادات السياسية، ولكن هذه المرة كانت البطولة من نصيب بعض الشباب الذين لا يمتلكون أية صفة مجتمعية، مما فتح الباب أمام الكثير من التكهنات وطرح عشرات الأسئلة التي أهمها ما إذا كان هؤلاء الشباب أبطال هذه القصة فعلاً أم أنهم أبطال الواجهة وهناك أبطال آخرون يقفون في الظل ويحصدون النتائج، خاصة وأن المبالغ المالية التي يدور الحديث عن جمعها تقدر بمئات الآلاف من الدولارات، ومن الطبيعي ألا تقف السلطة الحاكمة في قطاع غزة والتي تتمثل بحركة حماس موقف المتفرج من هذه الأموال. فكيف تفعل ذلك وهي بالأساس سلطة قائمة على الجباية وجمع الضرائب، ومن الطبيعي أن من سمح ببيع دماء الفلسطينيين مقابل شنط المال القطري في مسيرات العودة، أن يسمح بمثل هذه المهزلة مقابل إدارتها من الخفاء، وهذا ما يفسر محاولة قمع أية محاولة للكشف عن تلك القضايا المثيرة للجدل.
يتابع شلولة، أن "المشكلة تكمن في أنه من المحال قدرة المحتاجين على التفريق والتقييم بين من يقدمون المساعدة فعلياً ومن يتاجرون بهم، فأولويات الفقراء هي المساعدات لأنهم لا يمتلكون ترف الأسئلة عن الكرامة والقيمة".
يوسف حسان، صحفي فلسطيني قام منذ أسبوع بالكشف عن قضية ابتزاز وفساد من خلال تحقيق استقصائي، حيث سلط الضوء على قيام أحد الأشخاص المتمرسين في جمع التبرعات بحجة مساعدة الفقراء بابتزاز امرأة فلسطينية جنسياً، حيث قالت المرأة خلال التحقيق الذي تم نشره على مواقع التواصل الاجتماعي، "إن هذا الرجل الذي من المفترض أن يقوم بمساعدتها قام بمحاولة ابتزازها جنسياً رغم علمه أنها امرأة متزوجة ولديها عائلة وهي بحاجة إلى المساعدة فعلاً بسبب ظروف عائلتها الصعبة".
بعد مرور عدة ساعات على نشر التحقيق، قامت السلطات الحاكمة في قطاع غزة باعتقال الصحفي يوسف حسان، وأجبرته على حذف التحقيق ونشر اعتذار مصور عبر صفحته بموقع "فيسبوك" قال خلاله، إنه تعرض للتضليل من جهات خارجية. وما زال الصحفي حسان معتقلاً منذ ذلك اليوم حتى لحظة كتابة هذا التقرير دون توجيه أي اتهام يذكر.
وفي هذا الصدد يقول عطا الله، "بالتأكيد بعض التقارير أشارت إلى فساد وحالات تسول إلكتروني ولم يتم اعتقال أحد حتى اللحظة، وهذا يعني أنه يمكن أن تكون هناك تغطية من بعض الأفراد المتنفذين هنا أو هناك. ولكن مسألة صعوبة الرقابة بهذا الموضوع تجعل التعقيدات بهذه المسألة طبيعية جداً".
ومن جانبها تقول الإعلامية والناشطة الفلسطينية نهى أبو عمرو، إن "مسألة ابتزاز السيدات موجودة داخل المجتمع الفلسطيني، ولكن بحكم التقاليد المجتمعية وخصوصية المجتمع الفلسطيني فإن غالبية حالات الابتزاز لا تخرج إلى النور لأن المجتمع بطبيعته يميل إلى إلقاء اللوم على المرأة مثلما حدث في حالة التحقيق الذي أجراه الصحفي يوسف حسان، فالمجتمع ترك الشخص المتحرش وألقى باللوم على المرأة التي تعرضت للابتزاز".
ومن أشكال الفساد التي طفت على السطح مؤخراً ما تقوم به جمعية الفلاح الخيرية التي يديرها شخص يدعى رمضان طنبورة، والذي وبرغم شبهات الفساد المثبتة ضده بالأدلة والبراهين إلا أنه يستمر على رأس عمله بحماية من المتنفذين في حركة حماس.
ومن أوجه الفساد التي لا حصر لها في جمعية الفلاح الخيرية، انتهاك قانون إنشاء المؤسسات والجمعيات الخيرية في الأراضي الفلسطينية، والذي ينص على: "يكون لكل جمعية أو هيئة مجلس إدارة يتكون من عدد لا يقل عن 7 أعضاء ولا يزيد عن 13 عضواً، وتحدد طريقة تشكيله وكيفية اختيار أعضائه وإنهاء عضويتهم في النظام الأساسي للجمعية أو الهيئة، ولا يجوز أن يضم مجلس الإدارة عضوين أو أكثر يجمع بينهما صلة قرابة من الدرجتين الأولى والثانية ..". ولكن المدعو طنبورة قام بتعيين نجله في مجلس إدارة الجمعية، إلى جانب قيام أقاربه بفتح شركات لتجارة العقارات وغسيل الأموال في تركيا بحماية السلطات التركية التي تغض الطرف عن هذه الشركات باستمرار بسبب تقاطع المصالح مع حركة حماس.
ويشير شلولة إلى أنه في ظل غياب قوانين المراقبة والتقييم والضبط والإحضار يمكننا الاستدلال على هؤلاء اللصوص من خلال طفرات الثراء الفاحش التي بدأت تطفو على السطح بشكل لافت.
وبعد الهجوم الذي تعرض له طنبورة من قبل النشطاء الفلسطينيين قام باتهام كل هؤلاء الأشخاص بالعمالة لإسرائيل، في انتهاك صارخ لقوانين الشفافية التي تلزمه بالرد على تلك الاتهامات بشكل علني وموضوعي، كما قام بإعادة نشر بعض الصور له وهو برفقة قيادات من حركة حماس، وكأنه يقول ، إن "هذه البلاد تخضع لحكمنا ونحن من يصيغ القوانين بحسب ما نراه مناسباً لمصلحتنا الخاصة".