بالوحدة ... نُوَاجِهُ صفقة القرن وقرارات الضَّم

تابعنا على:   15:24 2020-06-20

يوسف جمعة سلامة

أمد/ ورد في كُتب التاريخ أَنَّ رجلاً كان له اثنا عشر ولدًا، فلما حضرتْهُ الوفاةُ، استدعى أولادَه جميعًا، فاجتمعوا عنده، فطلب حِزْمَةً من العِصِيِّ، فأُحْضِرتْ، فطلب من كلِّ واحدٍ منهم أن يكسرها مجتمعةً فعَجَزَ، فأعطى كلاًّ منهم عصاً فكسرها بسهولة، فقال لهم: يا بَنِيَّ، كونوا جميعاً ولا تَتَفرَّقُوا فيسهلَ كسرُكم، ورحم الله القائل:
تَأْبَى الرِّمَاحُ إذَا اجْتَمَعْنَ تَكَسُّراً وإذَا افْتَرَقْنَ تكَسَّرتْ آحادا
إنّ القرآن الكريم يأمرنا بضرورة الاتحاد واجتماع الكلمة؛ لذلك فمن الواجب علينا نحن الفلسطينيين أنْ نتحد ونجتمع كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا)، فَسِرّ قوتنا في وحدتنا، وإنّ ضعفنا في فُرقتنا وتخاذلنا، فالوحدة فريضة شرعية وضرورة وطنية.
إنّ الواجب علينا أن تتسع صدورنا لبعضنا البعض، وأن نطوي صفحة الماضي ، وأن نفتح صفحة جديدة، وأن نترفَّع على جراحاتنا مهما كانت مُؤلمة، فسلطات الاحتلال الإسرائيلي لا تُفَرِّق بين الفلسطينيين، لذلك يجب أن يكون شعارنا دائمًا الوحدة... الوحدة...الوحدة، ففلسطين أكبر وأسمى من الجميع، كما يجب علينا أن ننشر ثقافة الوحدة والمحبة والأخوة والتسامح بين أبناء شعبنا الفلسطيني، وذلك في جميع وسائل الإعلام المسموعة والمرئية والمقروءة، وفي أدبياتنا وَخُطَبِنا ومحاضراتنا، فشعبنا الفلسطيني شعبٌ واحدٌ له هدفٌ واحدٌ وهو إنهاء الاحتلال الإسرائيلي.
إن شعبنا الفلسطيني اليوم وفي ظلِّ الظروف الصعبة التي يمرّ بها أحوج ما يكون إلى الوحدة، فالقدس لم تُحَرَّر عبر التاريخ إلا بالوحدة، ولن تتحرّر إلا بالوحدة، فإذا كنا مُوَحَّدين فإن صفقة القرن وقرارات الضمّ وجميع المؤامرات ضدّ شعبنا الفلسطيني سيكون مصيرها الفشل بإذن الله، فعلى صخرة الوحدة تفشل التهديدات وتتحطم المؤامرات الخبيثة التي تُُحاك ضدّ شعبنا المرابط وأرضنا المباركة.
إنّ الله سبحانه وتعالى يُبَغّض إلينا أن نختلف؛ لأن الاختلاف أول الوهن وباب الفشل والضياع، كما جاء في قوله سبحانه وتعالى: {وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ}، بل إنه لَيُحَذّرنا من أن نسيرَ على نهج المتفرقين، أو أن نقتدي بهم؛ لأنه أعدَّ لهم أسوأ العقاب عنده؛ جزاءَ تفرقهم كما جاء في قوله تعالى: {وَلاَ تَكُونُواْ كَالَّذِينَ تَفَرَّقُواْ وَاخْتَلَفُواْ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُوْلَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.
لقد حصل مرة بعد وفاة الرسول -صلى الله عليه وسلم- أن نشأت بين بعض الصحابة-رضي الله عنهم أجمعين-مشادَّة كَلامِيَّة سُمِعَ منها ارتفاع الصوت، فأخرجت أمّ المؤمنين أمّ سلمة-رضي الله عنها-يدها من الحجرة الطاهرة، وأخذت تقول لهم: إِنّ نبيكم يكره التَّفَرُّقَ، ثم تَلَتْ عليهم قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُواْ دِينَهُمْ وَكَانُواْ شِيَعًا لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ }، وتعني أنّ الخصام أساس الفُرقة، والفُرقة أساس البلاء .
في هذه الظروف الصعبة التي يمرّ بها شعبنا الفلسطيني وقضيته العادلة، فإنّ عاصمتنا الأبدية مدينة القدس الحبيبة تُخاطب الفصائل الفلسطينية، قائلة لهم: لقد طردوا أبنائي وَنَكَّلُوا بهم، وَشَوَّهُوا صورتي العربية والإسلامية، وَحَالُوا بين أحبائي من العلماء والخطباء والسّدنة والمرابطين من الوصول إليّ لتكتحل عيونهم بالصلاة في المسجد الأقصى المبارك والدفاع عنه، وَعَزَلُوني عن مُحيطي الفلسطيني بجدارِ الفصل العنصريّ الذي قَضَمَ الأرض، وبإقامة آلاف الوحدات الاستيطانية لِطَمْسِ الهوية الإسلامية العربية الفلسطينية داخل أَحْيَائي، وفرضوا الضرائب الباهظة على أهلي، كي يجبروهم على الرحيل من أرض الآباء والأجداد، وهدموا البيوت، وصادروا الهويات، وَزَيَّفُوا التاريخ، و ما زالوا يعملون على تهويدي بكافة السُّبُل المُتَاحة، من خلال إقامة الكُنُس، وعملهم الدؤوب لهدم وإزالة لؤلؤتي المسجد الأقصى المبارك، كي يُقيموا هيكلهم المزعوم بدلا ًمنه، لذلك فإنني أناشدكم بالله يا قادة الفصائل الفلسطينية: أن تجمعـوا شملكــم، وأن تُوَحِّــدوا كلمتكم،وأن تتذكروا الخطر المستمر الذي يتهددني، وإياكم أن تنسوا دماء آلاف الشهـداء،وعـذابات آلاف الأسـرى،ومعانـاة آلاف الجرحى والمعاقين، وآهات آلاف الثكالـى والأيتـام، فإن لم تُوَحِّدنا دماء وأشلاء أطفال ونساء وشيوخ فلسطين، فمتى سنتوحد ؟!، إنّ صوتنا لمْ ولن يُسْمع إذا بقينا متفرقين مُخْتلفين.
فلسطين الحبيبة تناديكم،والقدس تناديكم اليوم، للتأكيد بأنها عاصمة دولة فلسطين، ولتطبيق العدالة في أعدل قضايا الدنيا ، قضية فلسطين، وقضية شعب فلسطين، وحقّه في العودة إلى وطنه، وحقّ تقرير مصيره، وخروج جميع الأسرى والمعتقلين، وقيام دولته الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشريف.
فلسطين تقول لكم: بفضل الله ورعايته، ثُمّ بوحدتكم، سوف يتراجع الظُّلم ، وينهزم الأعداء، فالليل مهما طال فلا بُدَّ من بزوغ الفجر ، وإنّ الفجر آتٍ بإذن الله رغم أعداء شعبنا كلّهم .
إنّ معركتنا اليوم معركة وجود، فقرارات الضَّمِّ تستهدف إنهاء قضيتنا الفلسطينية، كما تستهدف الكُلّ الفلسطيني بلا استثناء، فإن لم نَتَّحِدْ سويًا يدًا بِيَد وَكَتِفًا بكتف لمواجهة هذه الهجمة الاستعمارية فلن يُكتب لنا النجاح.