تداعيات شرق أوسطية صاخبة للصراع الأمريكي الداخلى

تابعنا على:   14:19 2020-12-16

د. محمد السعيد إدريس

أمد/ لم يعد مسار الصراع بين الرئيس الأمريكي المنتهية ولايته دونالد ترامب وإدارته وبين إيران يحسب بالأيام، بل أضحى يحسب بالساعات فى ظل الضبابية التى أخذت تسيطر على أجواء انتقال السلطة إلى الرئيس المنتخب جو بايدن المقرر يوم 20 يناير المقبل أى بعد 35 يوماً فقط من الآن. فعملية اغتيال العالم النووي ال إيران ى محسن فخرى زاده (الجمعة 27 نوفمبر) كان يمكن اعتبارها محاولة لاصطياد إيران لشن هجوم كاسح أمريكي - إسرائيلي ضدها لتدمير منشآتها النووية، وهو الحلم الذى ما فتئ يسيطر على خيال رئيس الوزراء ال إسرائيلي بنيامين نتنياهو ، وبالتبعية يفرض هذا الحلم نفسه كأولوية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب، ضرب إيران وتدمير منشآتها النووية كان يمكن أن يوظف انتصاراً يأمله الرئيس ترامب ليخوض به الانتخابات الجديدة من ناحية وليحدث إرباكاً فى أجندة الرئيس المنتخب جو بايدن فى العلاقة المستقبلية مع إيران خاصة منعه من تحقيق عودة أمريكي ة إلى الاتفاق النووى ال إيران ي، وكان يمكن أن يوظف أيضاً لإنقاذ بنيامين نتنياهو من أزمته الحكومية المستعصية ومن مصير مؤلم ينتظره إذا بدأت محاكمته الجنائية.

كان التوقع ال أمريكي – الإسرائييى بعد عملية اغتيال العالم النووي ال إيران ى أن تعجل إيران بالانتقام وأن تفقد بوصلة الحسابات وأن تقع فى «الفخ المنصوب» الذى يدفعها إلى القيام برد انتقامى يمكن اتخاذه كذريعة لشن الهجوم المأمول ضدها، أو لتأليب الرأيالعام الداخلى الأمريكى ضد أى تقارب أمريكى جديد مع إيران .

الانضباط الذى أظهرته إيران وعدم انجرارها للاستفزاز، وقبضها بكلتا يديها على الجمر لم يرق على ما يبدو لا للإدارة ال أمريكي ة ولا لحلفائها الإقليميين وفى مقدمتهم بالطبع كيان الاحتلال الإسرائيلي، ومن هنا جاء الاستعراض العسكرى شديد الاستفزاز الذى قام به ال أمريكي ون يوم الخميس الفائت (10/12/2020) عندما أعلن إقلاع طائرتين أمريكي تين إستراتيجيتين من طراز B52 من قاعدتهما بولاية لويزيانا يوم الأربعاء (9/12/2020)، وعبرتا المحيط الأطلسى وأوروبا ومنها إلى شبه الجزيرة العربية

والخليج حيث رافقتهما مقاتلات القوات الجوية السعودية، وقامتا باستعراض قرب قطر والسواحل ال إيران ية، لكن «مع المحافظة على مسافة آمنة من سواحل إيران » .

تحليلات المراقبين اعتبرت تحليق هاتين الطائرتين، وبرفقة طائرات سعودية هذه المرة، يرمى إلى هدفين أولهما تكثيف الاستفزاز لل إيران يين المنقسمين فى رأس السلطة بين التريث الذى تبديه الحكومة ورئيس الجمهورية حسن روحانى وبين الاستنفار الذى يتفاقم لدى المتشددين فى الحرس الثورى والبرلمان، بهدف إجبار إيران ، على التسريع بتنفيذ الانتقام للعالم الذى جرى اغتياله، باعتبار أن هذا الانتقام سيخلق المبررات ال أمريكي ة والإسرائيلية الكفيلة بشن الهجوم المأمول (ضد إيران ) أما الهدف الثانى فهو ردع إيران عن أى رد ضد الولايات المتحدة أو إسرائيل فى هذه الظروف ال أمريكي ة والإسرائيلية شديدة الحرج، وبالتحديد ظروف الارتباك الأمريكى المصاحب لـ «معركة انتقال السلطة».

الجنرال فرانك ماكنزى قائد القيادة المركزية ال أمريكي ة، وهو بالمناسبة القائد الأعلى للقوات ال أمريكي ة فى الشرق الأوسط صرح بأن المهمة التى تم تنفيذها (تحليق طائرتى B52 قرب السواحل ال إيران ية) صممت لتأكيد التزام الجيش الأمريكى إزاء شركائه الإقليميين، وللتحقق من قدرة الولايات المتحدة على نشر قوات قتالية بسرعة فى أى مكان فى العالم. إضافة إلى ردع إيران أو أى من حلفائها الإقليميين خاصة فى العراق من أى اعتداء محتمل ضد المصالح ال أمريكي ة.

لم تمض أكثر من 24 ساعة فقط على ذلك الاستفزاز الأمريكى الخطير ل إيران حتى جاءت الصدمة التى حتماً ستقلب أولويات الرئيس الأمريكى المنتهية ولايته دونالد ترامب. ففى يوم الجمعة الفائت (11/12/2020) أصدرت المحكمة الاتحادية العليا حكماً كان له وقع الصاعقة على الرئيس ترامب ومؤيديه داخل الحزب الجمهوري. فقد رفضت المحكمة «القضية الكبري» التى كانت رفعتها ولاية تكساس (ولاية موالية للحزب الجمهورى تاريخياً) بدعم من شريحة واسعة من الحزب الجمهورى لإبطال ملايين الأصوات فى الولايات ال أمريكي ة الأربع المتأرجحة (ويسكونسن وميتشجن وجورجيا وبنسيلفانيا)، بغرض إفقاد بايدن الأغلبية التى حصل عليها بأصوات هذه الولايات ومن ثم إعلان فوز ترامب كمنتصر بديل. وقد بنى حكم المحكمة العليا على أساس أن ولاية تكساس «تفتقر إلى الحق القانونى للتقاضى حيال كيفية إجراء الولايات الأخرى انتخاباتها».

صدمة ترامب كانت هائلة، وعبر عن «خيبة أمله» بعد صدور الحكم، ولجأ إلى «تويتر» ليصب جام غضبه وسخطه، وكتب «المحكمة العليا تخذلنا.. لا حكمة ولا شجاعة» وقال فى تغريدة أخرى «القتال بدأ للتو»، وقال لاحقاً «انتخابات مزورة.. سنواصل المعركة» وبعدها اندلعت التظاهرات المؤيدة له بالآلاف يوم السبت الماضى بالقرب من البيت الأبيض واصطدمت بمظاهرات أخرى من الرافضين بقاءه فى السلطة، وبدأ مسلسل تساقط الضحايا فى مؤشر يقول إن هذه بداية «للاضطراب» وربما «للفوضي» التى توقع الكثيرون أن تكون نتيجة حتمية للصراع والانقسام العنيف الذى يتهدد المجتمع الأمريكى كله وليس فقط النظام السياسي، وربما يؤدى إلى «تفكك الولايات المتحدة».

هذا المآل المشؤوم جاء على لسان «الين ويست» رئيس الحزب الجمهورى فى ولاية تكساس المنحازة إلى ترامب بقوله إن قرار المحكمة العليا «ربما يؤدى إلى تفكك الولايات المتحدة». وأضاف أن «هذا القرار ستكون له تداعيات بعيدة المنال.. ربما يتعين على الولايات التى تحترم القانون (يقصد الولايات المؤيدة لترامب) أن تترابط معاً وتشكل اتحاداً من الولايات التى تحترم الدستور». تطورات تؤكد أن الصراع ضد إيران بدأ يتحول إلى صراع أمريكى داخلى بين الولايات ال أمريكي ة.

صراع لا يعرف أحد مداه ولا أين سينتهى ، لكنه يكشف عن حقيقة مهمة وهى أن ما كان يتردد عن أفول أمريكى كمجرد فرضية خلال العقود القليلة الماضية أخذ يتحول إلى حقيقة، وعندما يحدث ذلك فحتماً ستكون التداعيات بل والحقائق صاخبة فى الشرق الأوسط .

عن الأهرام

اخر الأخبار