الأبعاد السياسية لإعمار غزة

تابعنا على:   12:18 2021-11-02

محسن أبو رمضان

أمد/ فرضت دولة الاحتلال حصاراً مشدداً على قطاع غزة بعد منتصف عام 2007 واعتبرته كياناً معادياً.

تم ذلك على أثر عدم الاعتراف بنتائج الانتخابات النيابية العامة التي جرت عام 2006.

فرضت اللجنة الرباعية وبتحريض من دولة الاحتلال شروط للتعامل مع أي حكومة فلسطينية ناتجة عن الانتخابات وهي (نبذ العنف، الاعتراف بإسرائيل، الاعتراف بالاتفاقيات الموقعة)

حظرت دولة الاحتلال العديد من السلع من دخولها الى قطاع غزة كما منعت ذهاب العمال الفلسطينيين للداخل وقلصت الى حد كبير من عملية التصدير.

صاحب الحصار والذي يشكل عقابًا جماعيًا بفعل تعريف القانون الدولي أربع عمليات عسكرية عدوانية واسعة على القطاع، تم استهداف بها البنية التحتية والمرافق الإنتاجية كما بلورت الية للرقابة على ادخال المواد الخام والسلع اللازمة لعمليات التنمية والاعمار والإنتاج بالقطاع، وذلك بحجة انها مزدوجة الاستخدام وقد تمأسس ذلك دوليًا من خلال آلية الرقابة التي شرعتها الأمم المتحدة (GRM).

أدى ذلك الى تعطل تنفيذ العديد من المشاريع اللازمة لاستنهاض الحالة الاقتصادية في قطاع غزة ليس بسبب ما خلفه الاحتلال من دمار ولكن بسبب الحاجة الطبيعية للتنمية نتيجة النمو السكاني الطبيعي بالقطاع علمًا بأن قطاع غزة يعتبر واحدًا من أكثر المناطق كثافة بالعالم بزيادة تقدر ب 3.5% سنويًا من عدد السكان.

إن ما تقدم أدى الى افراز ظواهر اجتماعية واقتصادية مقلقة أبرزها ارتفاع معدلات الفقر والبطالة وتدهور مستوى المعيشة وزيادة نسبة حالة انعدام الأمن الغذائي والرغبة بالهجرة.

تبرز الخطورة في مسألة إعادة الاعمار بعدم قيام المجتمع الدولي بإجبار دولة الاحتلال على قيامها بالتعويض عن السكان والمنشئات الاقتصادية من الاضرار التي ألحقتهم بها وذلك وفق ما يؤكده القانون الدولي الذي يجبر الجهة التي تُلحق الأذى بالتعويض عنه.

عُقد مؤتمرين للمانحين على أثر بعض العمليات العسكرية العدوانية الإسرائيلية حيث عقد الأول في شهر مارس 2009 في مدينة شرم الشيخ وتعهد المانحين بمبلغ 5.4 مليار ذهب جزءً منها لسد العجز في موازنة السلطة.

وعقد المؤتمر الثاني في 10 أكتوبر 2014 بالقاهرة وخصص مبلغاً قريباً من المبلغ الأول.

بسبب آلية الرقابة والقيود المفروضة من قبل الاحتلال لم تتقدم عملية إعادة الإعمار بالطريقة المطلوبة وبقيت العديد من الثغرات والفجوات الناتجة عن الحصار والعدوان والتي لم ترمم حتى الآن.

في العدوان الأخيرفي مايو 2021 تعهدت العديد من الدول بتنفيذ إعادة الاعمار ومنها مصر بمبلغ 400 مليون دولار وقطر بمبلغ 400 مليون دولار والكويت بمبلغ 100 مليون دولار والاتحاد الأوروبي بمبلغ 350 مليون دولار.

حاولت حكومة اليمين المتطرف برئاسة نفتالي بينت أن تعرقل عملية إعادة الاعمار وتربط هذا الملف بملفي الأسرى والتهدئة.

واضح أن الإدارة الأمريكية برئاسة بايدن تريد تبريد الصراع في منطقة الشرق الأوسط ولا تريد أن تشعل جبهة غزة المتوترة لذلك فهي دفعت باتجاه فصل ملف الاعمار عن باقي الملفات وكذلك تقديم (تسهيلات اقتصادية) للقطاع من ضمنها اعطاء تصاريح لآلاف العمال والتجار للعمل في داخل دولة الاحتلال.

وبالمقابل التخفيف عن القيود الخاصة بالمواد المصنفة بأنها مزدوجة الاستخدام وإعطاء المجال للشركات والمعدات والآليات والمواد المصرية للبدء بتنفيذ عملية إعادة الاعمار خاصة في ظل التقارب القطري المصري الأخير الذي أزال الخلاف حول هذا الملف.

تاريخيًا لعب الانقسام دورًا سلبيًا بالإسراع في عملية إعادة الاعمار حيث تشدد السلطة الفلسطينية على أن هذه العملية يجب أن تتم عبرها بوصفها السلطة الشرعية كما تؤكد اللجنة الحكومية الإدارية التابعة لحركة حماس في قطاع غزة بأنها الأجدر بذلك بوصفها موجودة على الأرض وهي التي لديها خبرة واسعة في هذا المجال.

اقترحت شبكة المنظمات الأهلية والعديد من منظمات المجتمع المدني آلية لتجاوز حالة الانقسام وبهدف الإسراع في تنفيذ عملية إعادة الاعمار والتي تتجسد بتأسيس هيئة مستقلة من مختصين ومهنيين تتمثل بها ممثلين عن الوزارات المعنية من كل من الضفة والقطاع إضافة الى ممثلين عن القطاع الخاص ومنظمات العمل الأهلي وأسر الضحايا الا أن هذا الاقتراح لم يمر بسبب استمرار حالة الانقسام.

من الهام في إطار الحديث عن عملية إعادة الاعمار التركيز على أن ما تقوم به دولة الاحتلال يشكل عقابًا جماعيًا وأعمالاً عدوانية تتنافى مع مبادئ حقوق الانسان وقد تشكل جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية ومن الهام كذلك دفع المجتمع الدولي لمعاقبة دولة الاحتلال على هذه الممارسات التي تتناقض مع وثيقة جنيف الرابعة ومع الشرعة الدولية لحقوق الانسان.

وبالوقت الذي يجب الضغط لرفع الية الرقابة GRM من الهام عدم السماح للشركات الإسرائيلية بالتربح من وراء الدمار الذي ألحقته بشعبنا في قطاع غزة.

إن قيام مصر بلعب دور هام في مجال عملية إعادة الاعمار من المناسب أن يترافق مع التنسيق مع منظمات القطاع الخاص حتى يساهم هذا التنسيق بفتح فرص عمل والتصدي لمظاهر الفقر والبطالة، خاصة أنه يدور الحديث عن انشاء ثلاث مدن رئيسية وتدشين كباري وجسور، الأمر الذي سيساهم بتطوير البنية التحتية بالقطاع.

ومن الهام أيضًا ربط هذه العملية باستكمال مسار انهاء الانقسام وتحقيق الوحدة الوطنية عبر حكومة وطنية موحدة تشرف على كل تجمعات الشعب الفلسطيني بالضفة الغربية وقطاع غزة والقدس وتحضر لانتخابات شاملة لتجديد شرعية النظام السياسي الفلسطيني، ومؤسساته التمثيلية المختلفة.

لا يمكن الفصل بين عملية إعادة الاعمار وبين ضرورة انهاء الحصار والعدوان من قبل الاحتلال وضمان حق الشعب الفلسطيني في تقرير المصير بوصف التنمية جزءً منه، الأمر الذي يتطلب القدرة على استثمار الموارد الفلسطينية بما فيها غاز البحر وانشاء مشاريع ذات بعد استراتيجي مثل ميناء ومطار وتعميق التواصل والتبادل مع الضفة الغربية وكذلك مع الاقتصاد المصري والاقتصادات العربية وذلك كبديل للعلاقات الاقتصادية مع دولة الاحتلال التي تتربح أكثر من 2.5 مليار دولار سنويًا من سوق قطاع غزة.

وعيله يجب التعامل مع عملية إعادة الاعمار بمنظورها السياسي والتنموي تنفيذًا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة عام 1986 الخاص بالإعلان عن الحق بالتنمية والذي يربط التنمية مع حق الشعوب في تقرير المصير والسيادة الوطنية كما من الهام ربطها مع أهداف الألفية المستدامة 2030 وذلك عن طريق المساهمة في تنفيذ بنودها الرامية الى القضاء على الفقر وغيرها من الأهداف التي تساهم بالضرورة برفع شأن المجتمع وفق منظور التنمية البشرية والإنسانية المبنية على تمكين الانسان والانعتاق من السيطرة والتحكم وغيره من القيود، أي أن هذا كله مشروطًا بإنهاء الاحتلال والاستيطان والتهويد والحصار والعدوان وتمكين الشعب الفلسطيني من السيطرة على موارده وحدوده.

كلمات دلالية