عبد الله عيسى .. شاعر الصوت المنفرد

تابعنا على:   22:10 2022-01-20

ناهـض زقـوت

أمد/ تعرفت على الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى أثناء زيارتي لرام الله عام 2020، حيث اتفق أن تنظم وزارة الثقافة ندوة عن الكاتبين حسن حميد، وعبد الله عيسى، وتم اختياري من وزير الثقافة د. عاطف أبو سيف لكي أقدمهما وأتحدث عن أدبهما، وبمشاركتهما عبر الاسكايب، وكان ذلك في دار طباق للنشر بمشاركة الشاعر عبد السلام العطاري مدير عام الآداب في وزارة الثقافة. وقد أهدتني وزارة الثقافة يومها كتابه "مختارات من الشعر الروسي". ثم أصبحنا صديقين عبر موقع التواصل الاجتماعي الفيس بوك.
يعد الشاعر الفلسطيني عبد الله عيسى من أبرز الأصوات الشعرية في المشهد الشعري الفلسطيني، فهو شاعر حداثي بكل ما تعنيه الحداثة من أفكار وآراء تصل إلى حد هدم القديم وبناء قالب شعري جديد خالص، وليس البناء على القديم، فالحداثة في أصلها قائمة على الصدام مع كل تقليد قديم، وهدم لبناه ومعناه.
نكتب عنه لكي تتعرف الأجيال الجديدة، والأصوات الشعرية الجديدة في فلسطين على شاعر من صلبهم، قدم القضية الفلسطينية شعراً وسرداً كقضية إنسانية جمالية في مواجهة الوحش الكامن في الأخر، ومحاولاته شرعنة المحو والقتل والدمار، وأرخ للسؤال الفلسطيني المتعدد والمتحرك في حركة التاريخ لمواجهة رواية العدو الزائفة.
لقد حققت شاعريته حضورها اللافت في حركة الشعر العالمي، وأصبح واحداً من الأصوات الشعرية العالمية، الذين تنفتح أمامهم كل المحافل والمنتديات، ويشارك كبار الشعراء العالميين، ويرأس كبرى المنتديات والندوات في روسيا وغيرها، لذا حاز على العديد من الجوائز والأوسمة التكريمية.
عبد الله عيسى شاعر فلسطيني مبدع، وأكاديمي ودبلوماسي، ومخرج ومنتج سينمائي، يقيم في موسكو. من مواليد مخيم ببيلا بالقرب من مخيم اليرموك في دمشق عام 1964، وتعود جذوره إلى قرية كراد الغنامة قضاء صفد، لجأت عائلته إلى سوريا إثر نكبة عام 1948.
تلقى دراسته في المدارس وكالة الغوث للاجئين بسوريا، وإثر وفاة والده اضطر لإعالة عائلته بالعمل في مجال الاعلام الفلسطيني المكتوب والمسموع والمرئي منذ ثمانينيات القرن الماضي، وهي الفترة التي تفتحت فيها ذائقته الشعرية التي استمدت ثقافتها من القرآن الكريم، وأشعار محمود درويش، والشعر العربي الكلاسيكي، وحكايات الأجداد عن فلسطين والنكبة والأرض المسلوبة. وقد حاز على جائزة الشعر العربي في دمشق عام 1985 لأشعاره المتميزة بالكتابة الابداعية الجديدة.
غادر سوريا في عام 1989 متوجهاً إلى الاتحاد السوفيتي للدراسة، والتحق في عام 1990 بمعهد مكسيم غوركي للآداب في موسكو، وحصل على درجة الماجستير، ثم درجة الدكتوراه من جامعة موسكو الحكومية – قسم آداب آسيا وافريقيا عام 1999. وفي عام 2002 أصبح أكاديمي في أكاديمية "أوراسيا" في اليونسكو. كما عمل استاذاً مساعداً في جامعة موسكو – معهد آداب آسيا وافريقيا.
منذ عام 1998 شغل منصب الأمين العام للاتحاد العربي الدولي للصحفيين والكتاب. ومنذ عام 1993 وحتى عام 2004 عمل معداً للبرامج الثقافية في راديو صوت روسيا، حيث قدم أهم الإبداعات العربية والروسية، وترجم أهم الشعراء الروس للعربية، والعرب للروسية، كما حاز برنامجه "مقهى عبد الله عيسى الثقافي" على شهرة واسعة. في عام 1994 كان محرراً للمجلة الأدبية "الشعراء". ومنذ عام 2003 وحتى عام 2008 عمل بإدارة عدة وكالات أنباء ومحطات تلفزيونية.
كما عمل بين عامي 2005 و 2009 منتجاً لسلسلة من الأفلام الوثائقية لشبكة تلفزيون الجزيرة (أرشيفهم وتاريخنا، وموعد مع المنفى). وأنتج وأخرج سلسلة أفلام "مسلمون تعتز بهم روسيا" عام 2012، كما شغل بين عامي 2007 و2009 منصب مدير مكتب وكالة الأخبار العربية، وممثلاً لمحطة وتلفزيون دي اتش فيللي. وفي نهاية عام 2015 التحق بالسلك الدبلوماسي الفلسطيني ليعين ناطقاً رسمياً في سفارة دولة فلسطين لدى روسيا الاتحادية، ثم المستشار الثقافي للسفارة.
تقديراً لإبداعاته الشعرية وحضوره الفاعل في المشهد الثقافي العربي، ودوره الأكيد في توثيق العلاقات الفلسطينية - الروسية، وخدمته للقضية الفلسطينية فكراً وسلوكاً، حاز على وسام الثقافة والعلوم والفنون - مستوى الابتكار من الرئيس الفلسطيني محمود عباس عام 2015. كما اختاره صندوق الأدب العالمي شخصية العام 2015 في "حوار الحضارات والتقريب بين الثقافات" في شهر مايو من العام نفسه. وتم اختياره في شهر يونيو عام 2017 ضيفاً في كتاب "عام الشاعر" الذي صدر بالإنكليزية في الولايات المتحدة عن دار نشر إينر تشايلد، وضم 21 شاعراً حول العالم. وفي عام 2017 قلده الشاعر الروسي فلاديمير بويارينوف، النائب الأول لرئيس التجمع الدولي لاتحادات الكتاب، ورئيس اتحاد الكتاب الروس في موسكو، "وسام تشيخوف الإبداعي" لدوره في إغناء حركة الثقافة والإبداع الإنساني عموماً. وقد قال عنه الشاعر الروسي الكبير فلاديمير بويارينوف: "إن أهمية الشاعر عبد الله عيسى تكمن في قدرته على التملك من ناصية الكلمة ومنحها مقدرة خصوصية لخلق عالم جمالي ينتصر للحياة بالحب على الموت، ويقدم قضيته عبر أدواته الشعرية والسردية والسينمائية والدبلوماسية، كجزء أصيل من قضية الإنسان عموماً، وامتحان لمدى مقدرة البشرية في تحقيق العدالة الإنسانية في مواجهة أعداء الحياة والجمال في كوكبنا الأرضي".
وقد حصل على عضوية كاملة في اتحاد كتاب روسيا عام 2017، ليكون أول عربي وأجنبي ينالها دون أن يتمتع بالجنسية الروسية. وهو عضو في اتحاد الكتاب والصحفيين الفلسطينيين منذ عام 1985.
اختير في عام 2020 رئيساً للجنة تحكيم مهرجان يسينين شاعري دولي في موسكو. حصل على عضوية اكاديمية العلوم الطبيعية الروسية في ديسمبر 2021، وهو أول أكاديمي فلسطيني يحصل عليها إلى جانب الشهادة الأكاديمية وبطاقة العضوية ووسام اليوبيل الفضي للأكاديمية، وتعتبر عضويتها أعلى درجة علمية يمكن الحصول عليها بعد الأستاذية في روسيا. كم حاز على وسام منظمة العمل المشرف والمجيد في مجال الشعر، وعلى وسام الريشة الذهبية عام 2021. كما حاز على وسام الشرف الأورو آسيوي الذهبي من قبل المنتدى الدولي – عالم أورو آسيا 21. وقد حازها "تقديراً لدوره في حركة الشعر العالمي وتطوير أساليبه وأدواته، وتعزيز قيمه الجمالية والإنسانية السامية، وإسهاماته الجلية في المشهد الثقافي الإنساني، وكذلك لمساهماته الفعالة في خلق جسور التواصل والتفاهم بين الآداب والثقافات والحضارات، وترجماته الخلاقة للشعر الروسي إلى العربية، وبالعكس من العربية إلى الروسية".
كتب ونشر مجموعة من الدواوين الشعرية والكتابات الثقافية، والترجمات عن الروسية: ديوان موتى يعدون الجنازة (1987)، وديوان هزيع (بالروسية 1995)، وديوان آلاء (1996)، وديوان حبر سماء أولى (1998)، وديوان قيامة الاسوار (2000)، وديوان رعاة السماء، ورعاة الدفلي (2013)، وديوان اخوتي يا أبي لا الذئب (2014)، وديوان وصايا فوزية الحسن العشر (2017) وديوان أدنى من السماء (مختارات شعرية 2021). أما الدراسات: رؤيا شعرية (1987)، ومختارات من الشعر الروسي (2018)، والكلمة والروح في الشعرية المعاصرة (2019).
***
أدنى من السماء – مختارات شعرية:
يتميز الشاعر عبد الله عيسى بكتابة القصيدة بإيقاعات الذات التي تكثف في تجربتها التراجيديا الفلسطينية، دون أن يلزم نفسه في اطار شعري محدد، أو ينحاز لأي مدرسة شعرية، بل يؤمن بالفضاء الشعري المفتوح. ينحاز في شعره للجمال والإنسان، لذلك يتجاوز السائد المألوف الذي يستدرج التصفيق في الاحتفالات والمناسبات، فهو ضد شعر المناسبات ولغة الخطابة في القصيدة الشعرية حتى وإن كانت مناسبة وطنية أو خطبة ثورية، فالشاعر الذي يصبح صدى للسياسي ليس بشاعر، بل هو أسوء ما في القصيدة الشعرية، على الشاعر أن يتحرر من القيود التقليدية نحو فضاءات تحمل أبعاداً انسانية، وجماليات جديدة للقصيدة غير المكتشفة المتجهة نحو المعنى لا الشكل، لذا وصف النقاد شاعريته بالغموض والرمزية المكثفة، وهذه الرمزية تتأتى من رؤيته للقصيدة أنها تكتب للخاص الباحث عن ايقاعات الكتابة الشعرية، وليس الباحث عن الخطابة الشعرية.
نشرت وزارة الثقافة الفلسطينية في عام 2021 مجموعة مختارات شعرية للشاعر عبد الله عيسى بعنوان "أدنى من السماء" ضمت مجموعة من أشعاره التي كتبها في فترات سابقة بين عامي 1987- 2017. وقد عبرت عن تجربته الشعرية الممتدة منذ ثمانينيات القرن الماضي، وما زالت متواصلة بكل وهجها الجمالي والإنساني.
تأتي هذه المختارات التي ضمت (56) قصيدة ليس من باب إعادة إنتاج التجربة، بل إعادة قراءة الأجيال الجديدة للتجربة، الذين لم يسبروا أغوارها جمالياً وإنسانياً، فكان لابد من الاختيار لتقديم نموذج تفاعل معه القراء والنقاد والشعراء سنوات ماضية، فحان الوقت لتقرأ الأجيال الجديدة نصوص الماضي لكي تفتح مخازن عقلها للتجارب القادمة، أو البناء عليها قصيدة شعرية واعية.
سأحضن ذاك البيت
من سقفه المفتوح، مثلي، للأشباح يأتون جمعاً أو فرادى
يشدون الفضاء بجلدنا طبولاً، ويمحون في الليل
حتى ما تبقى من السلوى على آية الكرسي
فوق جداره الجنوبي
ساكباً على أرضه روحي كمحبرة مكسورة
حيث تسرق الرئة الهواء من قصب الآهات
بالذكريات المطرقات كصندوق قديم
بملمس الأنين الكتيم في خلاياي
بانتباهه الموت،
أو لهاثه خلف مجراي النحيل
بما تبقى من الروح
يسافر بنا الشاعر عبر الديوان إلى عوالم مسكونة بالقلق الوجودي، والحب، والألم، والموت، والحيرة، والحلم.
وماذا تركنا في مرايا سوانا؟
القش ينبت في أحلامنا كفطور الموت
هل سيحق، بعد، لي أن أهيئ الطبيعة
في عينيك كي تشهد الخلائق في ما تبقى من الأنقاض؟
هل يحق، لمثلي، مندلعاً بسر حيوانك الصغير
أن يلم غباراً طافياً عن جزائر الضحى فيه؟
هلي يحق لي أن توسعي فضاء هاويتي:
كالخاتم الذهبي حين يرمي رنينه وخيبته الأخرى على التعبات
بالضجيج الذي يبدو كموعظة الجبال، مستسلماً لحكمة الصدى
بضراعة المرايا، بالهواء المعافى بين كفيك
يابساً كخط السعال في دخان سجائري، يضيئ الرماد في المواقد
كلما اطمأنت لك الريح، بانعدام صدى اشتباك روحي، بكوكب
ارتباكك.
وتبرز ثنائية الحب والموت واضحة وجلية فيما اختاره الشاعر من قصائد في الديوان، فالحب يعني الحياة في المعنى الدلالي، والموت يعني فناء الحياة في المعنى الدلالي، وتلك الثنائية تعني في المعنى المجازي انتصار الحب والإنسان على النحو والالغاء.
قلت:
يا أمنا هزي إليك بسعف نخلتك الأولى لكي تلديني
إن هذا دمي، وليس نبيذاً إلهياً فيشرب أخوتي
ويرمون في جرحي المبارك أحجار الخطايا
وهذا ليس ظلي على المياه تمحوه أنفاس السلالة
بل جسمي الذي يرتقي الصلبان
لا المطر الغامض يغسل آثاري على جبل الرؤيا
ولا غالبو أمري
يكيدون لي ما كادت الريح للطير الذي راقصاً في دمه
يصعد الهواء.
آيتي
الصليب أرفعه زلفى إلى أبتي الذي أرى
في سماء لا ترى
والذي أريت بين قيامتي وشوك جبيني
يحفل الديون أو المختارات بقصائد تحمل هموماً إنسانية موشومة بدلالات شعرية تعبيرية، دون زخرفة أو ألوان بديعية، بل شعرية إنسانية في أبعادها الضاربة في الجذور، شعر ينتصر للحياة، ويعلي من قيمة الحب الانساني، شعر يعبد الطريق للبحث عن الحقيقة الكامنة في جوهر الأشياء والإنسان.
بهذا الاسم / جئناك
مفتونين بالأكمات الطالعات على بوابة الغيب / والأجراس
بالطرقات الواصلات بيوت الله بالماء في أعضائها
يهب الملهوف رائحة الليمون
الكبش والأبواق
نجهل ما يخبئ قراصنة الآثار في ندم الأشهاد
لكننا نعيد، في رحمة الندى، لحجارة الكهوف طحالب الزمان / الوشيك
نخلع السيف مشفوعين بالصلوات الزاكيات، وأشجار تصادقنا
لنحتفي بتحالف الكنائس والأسوار مع خفة الريحان في دمنا / العاري
سيبقى الشاعر عبد الله عيسى شاعراً نبيلاً، سامقاً، باذخاً، يتوسل الشعر إلى كل جديد في المعنى، ليرفع من قيمة القصيدة، ومن قيمة الذات الحالمة بغدٍ أفضل برؤية انسانية، ويجدد خطابها بعيداً عن الشعارتية.