كيف ستتعامل مصر مع الحكومة الإسرائيلية المؤقتة؟

تابعنا على:   20:22 2022-07-24

د. طارق فهمي

أمد/ استقبلت الرقابة العسكرية الإسرائيلية تولي الحكومة المؤقتة برئاسة يائير لبيد بالإعلان عن قضية دفن الجنود المصريين بمنطقة اللطرون غرب القدس في إشارة لا تغيب بأن الساحة السياسية الإسرائيلية ليست بمنأى عن الصراعات السياسية والحزبية الكبيرة، بل تدور في سياقات وأجواء حقيقية مرتبطة بما يمكن أن يكون متاحاً في إطار لعبة توازنات حقيقية ستحكم هذه الصراعات. ولحين إجراء الانتخابات التشريعية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وإن كان الأمر بالنسبة للحكومة الإسرائيلية المؤقتة فإن رئيس الوزراء الإسرائيلي الراهن يائير لبيد، وبصرف النظر عن أنه مؤقت أو دائم، فإن لعبة التوازنات الصعبة ستعلن عن نفسها، وسيكون لها دور خلال الفترة المقبلة ليس بين القوى الحزبية فقط، بل أيضاً بين نظيرتها السياسية المختلفة، وعودة ظهور رئيس الوزراء السابق نتنياهو لواجهة الأحداث.

توجهات منضبطة

منحت مصر رئيس الوزراء الإسرائيلي نفتالي بينت الفرصة الذهبية عندما استقبلته في القاهرة مرتين، وهو ما أعطى ثقلاً لوجوده الحزبي إلى جوار رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق نتنياهو، والواقع أن مصر حكمتها مصالحها السياسية والاقتصادية ولم تكن المسألة في إعطاء ورقة مهمة للحكومة الراهنة في إسرائيل فقط، بل تم في سياق تقييم مصر بأن شريكي الائتلاف وقتها قادا الدولة في توقيت بالغ الأهمية.

وفي ظل تأكيدات وأهداف ارتبطت بالفعل بضرورة إخراج رئيس الوزراء الإسرائيلي السابق من الساحة وهو ما تم، ولكن الإشكالية الكبيرة كانت في تسريع معدلات التعاون في فتح خط الطيران بين البلدين، إضافة إلى وجود معبر طابا الحدودي مع إيلات أقصى جنوب إسرائيل. وفي السابق كان هناك معبر حدودي آخر مفتوح أمام السفر السياحي بين البلدين وهو معبر نيتزانا الحدودية مع أبو عجيلة بمصر، ولكنه الآن مفتوح فقط للتداول التجاري بين البلدين. ويعرف بمعبر طابا، ويطلب من جميع المسافرين الذين يعبرون الحدود إلى مصر عبر طابا دفع رسوم حدودية تبلغ نحو 105 شيكلات قبل مغادرة إسرائيل.

ولا يطلب من أولئك الذين يسافرون حتى مسافة كيلومتر واحد من الحدود على الجانب المصري دفع رسوم العبور، بشرط أن يتمكنوا من تقديم حجز فندقي مطبوع في أحد منتجعات طابا، ومنها منتجع هيلتون طابا وقرية نيلسون سابقاً، ومنتجع موفنبيك، ومنتجع راديسون بلو طابا.

وكانت مصر وإسرائيل أعلنتا عن الاتفاق بينهما على تعزيز الوجود العسكري المصري في منطقة رفح الشرقية الحدودية شمال سيناء في مؤشر على أن العلاقات بين البلدين تشهد مزيداً من التقارب. وكان المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أعلن عن الاتفاق، الذي قال إنه تم التوصل إليه خلال اجتماع للجنة العسكرية المصرية- الإسرائيلية المشتركة، كما تم توقيع الاتفاق الثلاثي الذي ضم مصر وإسرائيل والاتحاد الأوروبي، والبدء في بناء منظومة جيدة للعلاقات تحكمها دوافع العمل معاً في إطار تشاركي .

تفاعلات ثنائية

التقى وفد مصري مع الجانب الإسرائيلي في إطار اتفاقية المناطق الصناعية المؤهلة "كويز" الموقعة بين إسرائيل ومصر والولايات المتحدة عام 2004، وتتضمن ترتيبات تسمح للمنتجات المصرية بالدخول إلى الأسواق الأميركية من دون جمارك أو حصص محددة، شرط أن يكون المكون الإسرائيلي في هذه المنتجات 10.5 في المئة. والهدف منها هو فتح الباب أمام الصادرات المصرية إلى السوق الأميركية، كما حضر الجانبان قمة المنامة للتعاون الإقليمي والرسالة أن مصر تعمل في اتجاه واقعي ومتكامل، فهل سيستمر الأمر في الفترة المقبلة مع الواقع الراهن للحكومة المؤقتة وشخص يائير لبيد، بخاصة أن هذا الأمر مرتبط بأنه عملياً دعم الحكومة الراهنة سيتطلب استمرار قنوات التعامل المشترك بين مصر وتل أبيب وفي إطار الحديث عن ترتيبات أمنية، وشراكة سياسية تتجاوز ما تردد في موضوع الترتيبات الاستراتيجية بين البلدين، خصوصاً أن مصر وإسرائيل أصبحتا منذ مدة ضمن القوة المركزية الأميركية مما يتطلب تعاوناً مشتركاً من خلال الولايات المتحدة، كما تم تناول البروتوكول الأمني الحاكم لمعاهدة السلام بين مصر وإسرائيل.

كما أنه مرتبط بأن القاهرة لن توقف تعاونها، أو تنتظر ما سيأتي من خطوات سواء نجح يائير لبيد في العودة إلى رئاسة الحكومة، أو على الأقل كان أحد الشخصيات المرشحة والبارزة في المشهد السياسي الراهن، بخاصة أن الأولى لديها أيضاً حساباتها تجاه بعض الأسماء مثل بيني غانتس، وليبرمان ونتنياهو، وبينت الذي غادر الساحة السياسية على الأقل في الانتخابات المقبلة إضافة إلى الوزيرة لايلي شاكيد، التي يصعد نجمها في الساحة السياسية الحالية، إضافة لجدعون ساغر الصاعد بحزبه هو الآخر بقوة، والذي كان من قادة الليكود ونافس نتنياهو على زعامته.

مقاربة محددة

يرى رئيس الوزراء الإسرائيلي المؤقت يائير لبيد أن دعم مصر والدول العربية في الوقت الراهن أمر مهم، وفي توقيت له دلالاته من حيث الشكل والمضمون، بخاصة أن جني الثمار لمرحلة ما بعد إعلان القدس ودعم الديمقراطيين في الولايات المتحدة والرئيس جو بايدن لرئيس الوزراء المؤقت يائير لبيد مهم، وفي سياق مهم جداً ويرتبط أيضاً برؤية كاملة للسياسة الأميركية في العمل معه، وهناك تيار داعم في الكونغرس يدفع لهذا المسار في الفترة المقبلة على اعتبار أن الإدارة الأميركية في حاجة للصوت اليهودي ولـ"أيباك" في واشنطن، وهو ما يمكن أن تبني عليه في المدى المنظور حتى مع استمرار يائير لبيد في موقعه لفترة محدودة، وإن كان يمكن أن تصل عملياً إلى عام مقبل ستدخل فيه الإدارة الأميركية انتخابات التجديد النصفي للكونغرس والبدء في الانتخابات التأهيلية، وغيرها من التطورات المهمة التي يمكن العمل من خلالها أميركياً وإسرائيلياً.

ستحتفظ الحكومة المؤقتة برئاسة يائير لبيد بعلاقات جيدة مع مصر لجملة من الأسباب، خصوصاً أن مصر قادرة على دعم هذه الحكومة بالاستمرار في مزيد من التقارب سواء على مستوى العلاقات أو الاتصالات المباشرة مع الحكومة الراهنة حتى ولو المؤقتة بخاصة أن استحقاقات العلاقات باتت متعددة، وتتم في إطار عام من الالتزامات المباشرة من الجانبين، ولن يكون للأزمات الطارئة مثلما جرى في موضوع رفات الجنود المصريين تأثيرات سلبية في مسار ما يجري بخاصة أن الحديث الإسرائيلي بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق هو العائد للواجهة السياسية مرة أخرى، مما سيكون له انعكاساته على مشهد العلاقات المصرية- الإسرائيلية، والواقع أن مرحلة نتنياهو السابقة كانت تتم خلالها العلاقات في سياق ثابت غير مفعل، كما أن القاهرة لم تمنحه فرصة الحضور إليها طيلة عشر سنوات مقابل ما تم منحه لرئيس الوزراء السابق نفتالي بينت ويائير لبيد في إشارة مهمة لا تغيب، بل إن منظومة العلاقات تطورت سريعاً على الرغم من الرهانات الإسرائيلية المبكرة بأن الحكومة الحالية التي تولاها يائير لبيد لم تكن لتستمر عدة أشهر، ومع ذلك فهي مستمرة حتى الآن بصرف النظر عن الدعوة لانتخابات نوفمبر المقبلة، والتي ستشهد إسرائيل بعدها الانتخابات الخامسة على التوالي، ومن ثم فإن مصر ستمضي في إطار علاقاتها مع الواقع الإسرائيلي الراهن، الذي سيستمر في حالة من التجاذب والصراع والتباين بالمواقف ولكن رهانات القاهرة المستمرة عدم الرهان على أشخاص وإنما سياسات حقيقية ومواقف الدولة، وليس أحزاب وهو ما يدرك تبعاته الجانب الإسرائيلي حتى مع العمل بصورة مؤقتة واستثنائية.

أولويات محددة

ما يهم القاهرة العمل في دوائر التأثير الإسرائيلي والتقييم المباشر سياسياً واستراتيجياً مع ما يجري في تل أبيب، ولهذا فإن التحرك المصري مرتبط بأن الأحزاب اليمينية الإسرائيلية هي التي ستدير المشهد الراهن والمحتمل وأن يائير لبيد بمفرده غير كاف وأن القوى اليمينية المتطرفة تعمل في اتجاه التصعيد وإعادة الأمور لنصابها الطبيعي بالعودة لحكم إسرائيل، وإن فترة غياب ليكود هي الاستثناء، وهو ما يؤكد أن عودة الوجوه اليمينية ربما الجديدة التي ستملأ الفراغ الراهن ستعمل في اتجاهات عدة منها أيضاً إعادة النظر في نمط ومسار العلاقات مع دول رئيسة في الإقليم ومنها الأردن ومصر، والإمارات مع التطلع لعقد معاهدة سلام مع إسرائيل، والمضي قدماً في خطوات إيجابية مع تنفيذ استحقاقات السلام الاقتصادي التي تطرح من خلال مقاربة مشروعات التعاون الإقليمي وتحكم مسار ما يجري من تطورات عربية وإسرائيلية، بخاصة وأن الحاجة إلى الاستقرار ستكون أمراً غائباً في تل أبيب وسط عدم وجود فرص حقيقية لاستئناف اتصالات التسوية مع الجانب الفلسطيني، والاكتفاء بما هو مطروح والعمل على تأمين أي تغيير يمكن أن يجري في الساحة الفلسطيني قد يدفع إسرائيل للتعامل، وهو ما رتبت له المؤسسة العسكرية وليست القوى السياسية في إطار مخطط استراتيجي وأمني، وليس من خلال مقاربات سياسية متعددة تتخوف من تأثير ما قد يجري بصورة مفاجئة في أمن إسرائيل.

الخلاصة الأخيرة

ستظل مصر على مقربة من التطورات الإسرائيلية الداخلية وستعمل في أكثر من اتجاه مع تجاوز مسألة الأسماء الراهنة سواء يائير لبيد، أو عاد نتنياهو إلى سدة الحكم بخاصة أن الساحة الحزبية لا تزال محملة بكثير من التغيرات الحقيقية والجوهرية، التي يمكن أن تعصف بالثوابت الراهنة في ظل معركة عاتية سيقودها اليمين الإسرائيلي على أكثر من جبهة، وفي نفس التوقيت من أجل العودة للحكم مجدداً، وليكود ليس ضعيفاً ويريد استعادة السلطة التي فقدها، وهو ما قد يرتب خيارات وبدائل حقيقية في مواجهة ما يجري، وستظل القاهرة تضع في أولوياتها أن المصالح الحاكمة ستدفع بالفعل للعمل مع إسرائيل في ظل ظروف صعبة ومعقدة يمر بها الإقليم، وتتطلب تنسيقاً وتعاوناً في جملة من الحسابات التي تتجاوز العمل في ملف الطاقة والتعاون الاقتصادي إلى مجالات أخرى تتعلق بتطوير منظومة الكويز، والبناء على تجاوب إسرائيل، وبصرف النظر عن أي حكومة ستدير الأوضاع في إسرائيل فإن الاستمرار في نهج العلاقات الراهنة سياسياً واستراتيجياً سيستمر، ولن يتوقف بل قد يشهد تطورات جديدة في إطار تأكيد أهداف التعاون المشترك بين الجانبين.

عن اندبندنت عربية