نحن والغرب .. صراع رؤية ورواية

تابعنا على:   22:35 2022-08-19

صالح عوض

أمد/ انها المسألة التي أشغلت الكثير من المفكرين العرب والمسلمين كما جلبت الى ساحتها الاستراتيجيين في الغرب فكتب فيها وقيل ما لم يحظ به موضوع اخر، بل لعلها المسألة الجوهرية في الصراع الكوني اليوم، لم نتجاوزها رغم ان عمرها يقترب من الالف عام وقد تقدمت اطروحات عديدة للمعالجة وتفاوتت الأهمية كما تباينت وجهات النظر لدينا ولديهم ولكن هناك فرق جوهري في طريقة التناول ففي حين يتم تناول المسألة لدينا من قبل جهود فردية تعتمد على ثقافة الفرد وتجرته ولا تكاد تستطيع ان تبلور رؤية معتد لدينا حول المسألة فيما اعتمد الغرب المؤسسة والبحث الجماعي الموسوعي المنهجي الذي انتج دراسات معمقة رفع بناء عليها توصيات لأصحاب القرار وأصبحت بمثابة خلفية لسلوك المؤسسات السياسية الغربية تجاهنا، ومع هذا كله فكما اننا لم نكون رؤية دقيقة علمية للمسألة بل رسمنا له صورا مختلفة فإما صليبي فاسد او ليبرالي متقدم ما بينهما، وكذلك الغرب اتجه لصياغة رواية نمطية تخدم مصالحه الاستراتيجية يغطي بها على سلوكه العدواني تجاه بلدان العرب والمسلمين ولم يولد الجهل من طرفنا والتشويه من طرفه الا مزيدا من الاضطراب والعنف والسير في غير الاتجاه الإنساني بل في دوامة الصراع المفتوح ومن هنا اصبح الفهم ملتبس والمفاهيم مضطربة والسلوك في غير الاتجاه..

كيف نفهم الغرب:

كتب سيد قطب ومالك بن نبي وعلي شريعتي في المسألة من زوايا مختلفة وبطرق مختلفة ولكن انتهوا الى نتائج واحدة في موقفهم من الاخر، وهؤلاء المفكرون الكبار عاش ثلاثتهم في الغرب لفترات معينة من أعمارهم فيما هم يتوقدون ثقافة وغيرة ونباهة وتأمل غير منبهرين بالاخر، وكتب مفكرون مغاربة وعرب ومسلمون كذلك في المسألة مقتربين او مبتعدين قليلا او كثيرا عن العمالقة الثلاثة، ولعل الاثار العميقة التي تركها هؤلاء الكبار لازالت هي التي ترسم معالم الرؤية نحو الغرب، وجاء المفكر الفلسطيني أدوار سعيد في عدة كتب قيمة ليؤكد على ما ذهب اليه هؤلاء الكتاب، ونسمع من حين الى اخر عن مفكر عربي في بلاد الغرب يقدم رؤية او نقد من هنا او هناك للحضارة الغربية و علاقتها ببلادنا ولكن دوما دون عمل مؤسسي مما يطبع الدراسات دوما بالطابع الشخصي والمزاج الشخصي والتلوين الثقافي الخاص للفرد، مع أهمية كل ما كتب والنتائج المعتبرة التي توصل اليها أولئك الكتاب الكبار ومع كل التقدير لجهودهم وهمومهم التي دفعتهم وحيدين الى مواجهة التحدي الخطير الذي يواجه امتهم.
وفي هذا الحيز الضيق لا أجد متسعا لمرافقة العمالقة من المفكرين العرب والمسلمين وابداء ملاحظاتي فذلك يحتاج نقاشا بعقل بارد ومتسع وقت ووسع حيز واكتفي هنا بالإشارة الى ان كل ما كتب جاء من باب الدفاع النفسي المستميت عن الامة وكشف المؤامرات التي تحاك لتهديم أركانها وأساليب الخديعة والعنف التي تفتك بالامة مشرقا ومغربا، بمعنى ان الكتابة كانت في اتون المعركة تشم منها رائحة الدخان ولهيب المعارك وفي ذلك تلك المعارك التي اعلنها المفكرون العمالقة فقدنا المنهجية العلمية في فهم الاخر بانصاف وعلم ومنهجية توازنية، وقد يكون ذلك مهما في مرحلة معينة لكنه بلا شك لايستطيع ان يكون أبديا فهو صنع لدى أجيالنا السابقة ضربة الإيقاف الاستراتيجي للهجوم الثقافي الغربي والتغريبي، لكنه لم يأخذ بأيدينا خطوة واحدة الى الامام بل لعلنا بعد تلك اللحظة الحاسمة التي تم شحننا عاطفيا فيها بموقف نفسي تيبسنا ووقفنا نراوح مكاننا استهلك بعضنا في أحزاب ومنظمات وقد فقدنا بريق الأفكار والثقافة لنصبح الى في ترس الحزب، وفي جانب من الامة انبرت مجموعات من المثقفين العرب الذين انبهروا بالتقدم التكنلوجي والسياسي على صعيد الإدارة وأنظمة الحكم ومجموعة الحقوق التي نالها السياسيون والمثقفون وأصحاب الراي، فانصرف هذا الفريق وهو غير متفق كذلك على طريقة للتفاعل مع الوارد من الثقافة الغربية الا انه اتفق على إزاحة الفكر الاصولي "الظلامي" وهنا فقد التنويريون توازنهم وخانوا ما حملوا من أفكار غربية فكانت الديمقراطية وحقوق الانسان أولى الضحايا على مذبح التنوير الذي تبنوه، وهكذا يمكن النظر الينا نحن العرب والمسلمون باننا لا نكاد نتفق على معنى معين لكلمة الغرب او ما يشتق منها من تغريب وتغرب واستشراق وما رافق ذلك من ديمقراطية وليبرالية ونظم سياسية واقتصادية، وظلت كلماتنا مع او ضد مشحونة بحمولات عاطفية متشنجة، فكان الصدام في ساحتنا عنيفا لازال مستعرا في معظم بلداننا العربية، هذا فضلا عن عدم قدرة اعيننا ان تمتد ببصرها الى ما وراء المشهد البارز الى محاولة فهم مهمة المؤسسات العميقة في الغرب وفهم أدوار رسال المال في صناعة السياسة والى التطور المتواصل في النظريات والمؤسسات والأنظمة ولقد اكتفينا بكلام أيديولوجي محروم من التفتح والتطور والتعديل.

لا نستقر على رؤية محددة لطبيعة ثقافته وعناصر وجود الغرب السياسي والحضاري.. ويريد لنا البعض ان نعزل رؤيتنا لواقعه الان عن تاريخ علاقته معنا عبر القرون كما يريد بعضنا ان نتجرد من تسمية الأشياء بمعانيها الطبيعية لكي لا نتهم بالأصولية ويريد البعض ان يقنعنا بأن المعركة لها وجه واحد فقط وميدان واحد وحسب.. لهذا كله ينبغي فتح الموضوع مجددا على ابعاده وباستمرار، علنا ندرك من نحن واين نحن ومن هو خصمنا وما هي ادواته الجديدة وأهدافه المستجدة، واين خللنا وماهي اولويات كفاحنا.

الموضوع ليس نزهة فكرية ولا من باب الترف انما هي تمس واقعنا اليومي ولن نفهم معاناتنا في كل بلد من بلداننا الا اذا تقصينا الرواية من أولها واقتربنا من تشكيل رؤية علمية لواقعنا التاريخي المحتدم صراعا داميا باشكال متعددة مع الغرب.. ان معالجة الواقع بمواقف مقتطعة معزولة يعني اننا سنرجع الى حلبة الاستلاب مجددا من حيث شعرنا اننا تحررنا واستلمنا مقاليد استقلالنا، ومن هنا نفهم تماما ما معنى اقضية الفلسطينية وارتباطها بكل ما يعيشه العرب والمسلمون.

كيف ينظر الينا الغرب:

لقد تحرك وجدان الغرب =والمقصود هنا فرنسا وبريطانيا بشكل أساسي ثم التحاق أمريكا= رغم توزعه وتنافره في أحيان كثيرة نحو انهاء الاخر وان نجح الغرب في إبادة الهنود الحمر والسيطرة على القارتين الامريكيتين الا انه لم يكتف بذلك بعد محاكم التفتيش وما ارتكبه في الاندلس من جرائم ضد الإنسانية، بل تزود بذلك للعودة بشكل اكثر عنفا و حرصا على تفتيت العقبة الحضارية التي تمثل سدا منيعا امام هيمنته الروحية والاقتصادية والحضارية على العالم، وكانت الرقعة الإسلامية العربية كتلة من الخطورة الجيواستراتيجية وهنا تأخذ المعارك طعما خاصا لتشابكها بعوامل عديدة لعل الدافع الروحي والنفسي يأخذ الموقع الأساسي..

كانت المراحل الكبرى في علاقة الغرب تجاه العرب والمسلمين تتمحور على ثلاث محطات لكل محطة اداوتها وقيادتها وسياستها فلقد كانت الكاثولوكية رافعة لواء الحروب الصليبية بحجة تحرير بيت المقدس من العرب وتطهير المقدسات المسيحية والافساح لمسيحي العالم بالهيمنة على بيت المقدس وفلسطين وهم يعرفون ان هذا لا يمكن ان يستقر لهم دون السيطرة على بلاد الشام ومصر فكانت المعارك المتوالية والحملات الصليبية المتوالية ولكنها انكسرت لانها لا تحمل أي معنى اخر او ثقافة يمكن لها ان تشرها بل لعل الصليبيين الذين غزوا البلاد تفاجأوا من رقي المجتمعات العربية وتطور طرائق الحياة فيها، وعندما وجد الصليبيون ان روايتهم لا قيمة لها في مواجهة رقي المنطقة واصرارها على الحفاظ على نسيجها المتجانس ومقاومتها للعنصرية الغربية خفتت روح العدوان الصليبي في جموع الغزاة الذين توزعوا على حسب مكاسبهم وغنائمهم وتنابزهم اندحرت الهجمة الصليبية.

بعد انتهاء المرحلة الصليبية التي قادها الكاثوليك جاءت مرحلة الاستعمار التي قادها البروتستانت لاقامة المستوطنات في فلسطين وجوارها بحجة ان ذلك تهيئئة لقدوم المسيح عليه السلام.. لقد كان الاندفاع البروتستانتي نحو فلسطين مع بداية ظهور البروتستانت في اوربا حيث التزاوج المكين بين اليهودية المتطرفة والبروستانتية.. و حاول البروتستانت في فلسطين حمل المسيحيين الفلسطينيين الى تغيير عقائدهم الا ان الفلسطينيين المسيحيين تمسكوا بمسيحيتهم الفلسطينية العربية ولم يتمكن اغراء البروتسانت واساليبهم في جلب اكثر من الف مسيحي فلسطيني الى صفوفهم، واكتشف البروتستانت ان مسيرتهم بطيئة وغير مضمونة الوصول.

جاء ت المحطة الأخيرة مرحلة الدفع الغربي للصهيونية بحشد ملايين اليهود من اوربا الشرقية ومن شتى الاصقاع بوعود بروتستانتية يهودية مشتركة حول معركة همرجدون وبدأ الدفع بقوة لبناء مستوطنات يهودية حول القرى الفلسطينية وفي الأراضي الحكومية في ظل الاحتلال البريطاني بعجلة متسارعة وكانت المهمة الأساسية في الحملة الاستعمارية الأخيرة ان يتم تجميد الفعل العربي في بلاد الطوق العربي وتكبيلها بانظمة وجيوش يقودها الضباط الانجليز وحكومات هشة فيما يتم تعزيز الوجود الصهيوني في فلسطين بقوة وسرعة وبعد اكمال المهمة ينسحب الغربيون انسحابا شكليا من المنطقة تاركين فيها جسما غربيا مدججا بالسلاح وتجمعا بشريا زودوه بمقولات صنعوا لتاييدها منظمات دولية وظروفا مواتية.

هذا الوجه السافر للغرب في مواجهة العرب والمسلمين وفي فلسطين الجوهر.. لكن ماهي ضمانات نجاح العدوان الغربي المتواصل؟ هنا السؤال المهم والضروري حيث لا يكفي ان يكون للغرب رؤية أيديولوجية فيحقق ما يريد بل اكثر من ذلك ينبغي ان لانقف كثيرا امام النهضة الصناعية والتكنلوجية التي ارتقت بالمجتمعات الغربية لان ذلك وحده غير كاف بان يستمر بالدفع العدواني عبر القرون ضد امتنا،

وهنا نقترب اكثر من فهم ضرورة تفكيك كملة الغرب حيث ان العملية تتم اليوم في ظل تمويه ضخم وتشويه المعارف والمعلومات وهنا نقترب من تحسس اثار قوى تكاد تكون مختفية عن الأنظار تتحكم في الكتلة المالية الضخمة في أمريكا وهيمنة البنك الفيدرالي وسطوة صندوق النقد الدولي، وما يتبع ذلك من مراكز دراسات وتوجيه ومصانع عملاقة لاسيما مجمع الصناعات الحربي بامريكا وهنا تتعقد العملية ويصبح الجانب الديني أداة بيد الامبريالية الغربية والتي تمكنت في القرن الفائت من توظيف الدين المسيحي واليهودي والإسلامي في معركتها،
صحيح ممكن تهزم الدولة الامريكية والغربية امام شعب من شعوبنا كما حصل في الجزائر والعراق وأفغانستان ولكن قلب العدوان لم يهزم ولم يهزم أصحاب المشروع الامبريالي فهو رابحون في كل المعارك حيث ان مصانعهم تزيد في ضخها على الحروب التي يدفع ثمنها المواطن البسيط وخسارة الدولة ليست الا خسارة لمواطنيها.

النظام الاقتصادي الامبريالي الذي يعاني اليوم من صداع التحدي الروسي والصيني لم يصل بعد الى لحظات الخطر وهو يواصل حيويته في محاولة لتفكيك اقتصاد دول عديدة ولعله يطال بذلك اقتصاد اوربا لالحاقها تماما بالاقتصاد الأمريكي، وهو يجد في منطقتنا العربية وعالمنا الإسلامي المنطقة الرخوة والمكتنزة ثروات مجانية وسوقا معتبرا لهذا فهو لا يعير مشاعر أهلها أي قيمة الامر الذي تجلى في خطاب بايدن عندما زار المنطقة واعلن على مسمع الجميع انه صهيوني، ومؤكدا انه شريك في المشروع الصهيوني وبلا شك ان حماسه لإسرائيل اقوى من حماس قادة الكيان الصهيوني.

وهنا نلاحظ بدقة ان المعارك في أوكرانيا سيكون لها اثار عظيمة على مستقبل الامبريالية الغربية والنظام الاقتصادي الغربي ولكن لن يكون ذلك غدا .. ان هناك جولات عنيفة قادمة وغير مستبعد ان تنشب جولات اكثر عنفا وخطورة على مصير البشرية يدفع اليها أصحاب المال في أمريكا..

ان فهم قيادة الغرب بمكوناتها النفسية والسياسية والاقتصادية ورؤيتهم واستراتيجيتهم يعني بوضوح اننا نقترب من صياغة جملتنا الحضارية التي لايمكن فهمها الى بفهم فلسطين وقضيتها، الامر هنا يحررنا من الانفعالات النفسية والكلام السطحي والسياسات الغوغائية..

وهنا يترتب دور كل شعب وكل طليعة في كل مكان في سياق النهوض الحضاري فكما حدد الرسول مهمة اهل فلسطين في الرباط وعدم التنازل فان كل اهل قطر من اقطارنا مهمات ولعل المهمة الأساسية للجميع هي التكامل والتواد والتقارب والتحالف فيما بينها مع فهم إدارة الصراع بدقة وحكمة وإدارة التحالفات الدولية دونما انحيازات غير محسوبة.

لعله لا توجد امة مثل امتنا تكتنز تجارب في الصراع والبناء الداخلي ولهذا فان نهوضا حقيقيا على مستوى العقل والروح يخرجنا من دائرة الانفعال والردات التي يعرفها العدو واعد لها العدة.. وفي كل الأحوال يكون منطقنا إزاحة الظلم والعدوان ونشر السلام في العالمين والنظر للبشر جميعا بانهم اخوة ينبغي نزع فتائل الشر فيما بينهم.

كلمات دلالية