وهناك "عَلمانِيّة" مُتطرِّفَة تبثّ الكراهية... أيضاً
تاريخ النشر : 2021-07-28 11:53

يوماً بعد يوم تتكشف طبيعة وأهداف الهجمة الضارية التي تشنها قوى تدّعي العلمانية بذريعة المحافظة على «قِيمها». قِيم باتت موضع جدل وسِجالات في عالمنا المعاصر, بعدما اختلطت المفاهيم وتداخلت مصالح فئات اجتماعية ومدنية وأخرى اقتصادية تغرف من معين النيوليبرالية. وتدفع بقوى جديدة من اليمين واليسار على حد سواء للإنخراط فيها, بعضها يروم تقويض القوى المُنافسة وإخراجها من فضاء السياسة والتأثير, وغيرها ممن يبث خطابا شعبوياً يريد من خلاله إعادة الإعتبار لنفسه أو التخفّي خلف شعارات تبدو جاذبة لأجيال جديدة من الشباب المُتمرّد, الذي لم يجد لنفسه موقعاً في خريطة المجتمع, الذي وإن تمرّد عليه إلاّ أنه لا يستطيع الفكاك من تأثيراته والخضوع لقوانينه الذي لا يعترف بها, كما تعدّدت التحالفات وسيطر الغموض على مستقبل البشرية, في ظل صراع محموم بين قوى الإستعمار القديم وتلك الصاعدة خصوصاً من الدول ذات الماضي الحضاري المعروف.. على قيادة العالم, الذي بات لا يَحتمل قيادة «مُنفردة» لدولة في طور الأفول.

مناسبة الحديث أنه وبعد أيام معدودات من تصويت الجمعية الوطنية الفرنسية (البرلمان) على قانون مكافحة النزعات الإنفصالية/23 تموز الجاري والمسمّى قانون «احترام مبادئ الجمهورية»/ كان اسمه قبل التسمية الأخيرة قانون «مكافحة الإسلام الإنفصالي».

نقول: بعد أيام من إقرار القانون المذكور الذي انتقده اليمين الفرنسي كما اليسار, قامت وزارة الداخلية الفرنسية بـ«إقالة» إمام مسجد في إقليم لوار/وسط البلاد, بدعوى «تِلاوَته» آيات قرآنية وحديثاً نبويّاً خلال عيد الأضحى اعتبرتها/الوزراة «مُنافية لقيم الجمهورية».

الآيات الكريمة من سورة الأحزاب والحديث النبوي رأتها الوزراة مُنافية لقيم الجمهورية, كونها عبارات «غير مقبولة وتعتبرها ضد المساواة بين الجنسين». ما يعني أن الخطبة كانت مُراقبة وإن هناك مَن يتربص بأتباع دين مُعيّن, وصولاً إلى حظر ومنع أتباع هذا الدين من الإستشهاد بآيات «كتابِهم», فيما تغيب تلك المراقبة عن أديان أخرى تحفل «كتبها» بعبارات تُمجِّد القتل والصلب وإبادة البشر والحجر وكل أسباب الحياة, لكن قيم الجمهورية «العلمانية» لا تراها غير مقبولة ولا تجد أن بعضها ضد مساواة الجنسين.

يُعيدنا هذا إلى الجدل الذي لم يتوقّف حتى بعد إقرار قانون الإنفصالية, الذي يستهدف ديناً معيناً وهو الدين الإسلامي, حيث بات اتباعه في دائرة الإستهداف خدمة لأغراض انتخابية محضة يريد الرئيس الفرنسي الحالي الدخول في سباق على زعامة مَن يكون أكثر معاداة للإسلام وأتباعه, مع اليمين المُتطرف الذي تمثله ماريان لوبن رئيسة حزب «التجمّع الوطني» اليميني الفاشي, خاصة أن القانون الذي تم إقراره ينص على «فرض رقابة على المساجد والجمعيات المسؤولة عن إدارتها, ومراقبة تمويل الجمعيات المدنية التابعة للمسلمين ويفرض قيوداً على حريّة تعليم الأسر أطفالها في المنازل, فضلاً عن حظر ارتداء الحجاب في مؤسسات التعليم قبل الجامعي, دون أن يأتي بِذكر على مراقبة كُنس وكنائِس الأديان الأخرى كاليهودية والمسيحية, والجمعيات المسؤولة عن إدارتها أو تمويلها أو تعليم أطفالها في المنازل.

هذا أيضاً يدفعنا لإستعادة مفهوم «العلمانية» الذي تتبناه الدولة الفرنسية الآن, والذي تحصره في مفهوم «قيم الجمهورية» القائمة في الأساس على فصل الدين عن الدولة, المُفترض فيها أي «العلمانية», أن لا تكون ذاتها ضد الدين, بل هي وِفق تعريفاتها العامّة تقف على الحياد من الدين ويُضرب مثال في هذا السياق عن الولايات المتحدة التي قيل ان العلمانية فيها «حَمَتْ» الدين من تدخّل الدولة والحكومة, وليس العكس كما هو حاصل الآن في فرنسا رغم أن هناك بالطبع وخصوصاً في بلاد العرب والمسلمين مَن يعتقد أن العلمانية جزء من التيار الإلحادي.

هذا ليس موضوع حديثنا اليوم..خاصّة أن مبدأ العلمانية (كما سبق وقيل) قائم على فصل الحكومة ومؤسساتها والسلطة السياسية عن السلطة الدينية أو الشخصيات الدينية. حيث نشأتْ العلمانية أصلاً بسبب الحاجة إلى فصل الدولة عن الكنيسة في القرن السابع عشر الميلادي في أوروبا. تَمّ حينذاك تعزيز مبادئ وافكار العلمانية بسبب تأثير الكنيسة على الجانب السياسي والاقتصادي. ومن أمثلتها الحروب التي دارت بين مختلف الطوائف المسيحية, إضافة بالطبع إلى تاثير البرجوازية الصناعية في دفع الأفكار العلمانية إلى الأمام بعد أن ازدادت سطوتها وارتفع تأثيرها.

فهل ثمّة شكوك بأن هناك علمانية مُتطرفة تبث الكراهية وتحرّض عليها في شكل عنصري, تماماً كما هي تيارات التطرّف الفاشي والنازي والإسلاموي الجهادي والتكفيري, التي يتّخذها علمانيّو الغرب ذريعة لتكريس...«الإسلاموفوبيا»؟

عن الرأي الأردنية