قراءة في كتاب (إفراط لم يكتمل) للكاتب د. محمود عساف
تاريخ النشر : 2021-07-29 13:50

بين يدينا اليوم إصداراً ثميناً برأيي، ومائدة فكرية دسمة، تجمع بين الحكمة المنطقية التي تنطلق من متبحري التربية وعلم الاجتماع والحياة، وبين عين الطبيب الذي يلتمس مواضع الخلل والعلل، فيعمد لتوصية باجتثاثها لأصحابها مباضع الجراحة...
د. محمود عساف شرح لنا في كتابه مواطن الأدران في مجتمعنا الفلسطيني خاصة، وضع لنا خطوطاً حمراء تحت ممارساتنا تنم عن الجهل والطمع والأنانية، تلك الممارسات التي تستل منا آدميتنا وإنسانيتنا، وأيضاً ما نقدم عليها بحماقة أحياناً وبكامل الوعي أحياناً أخرى، وفي كل الحالات نقدم صوراً مجتمعية مشوهة لا تشبه الإطار الذي نضع أنفسنا بين أضلعه، فنبدو باهتين، لسنا مؤثرين، خالين من القدوات، مفرغين تماماً كطبول في مهب الريح..
إفراط لم يكتمل جاء ليعري بهرجتنا تماماً لينكأ جروح كبريائنا الذي نرسمه بدقة حين نخرج من بيوتنا كي نقابل العوام.. وكلنا عوام.. ثم بهدوء يتقدم عساف ليقدم لنا وصفاته الناجعة، وأعشابه المنتقاة بعناية من حدائق التجربة والوعي كي نصنع منها مستحلبات تصفح مناعتنا تجاه الموت العاطفي، والموت المادي، وغيبوبة الابتكار، وهذيان المكابرة..
ابتدأ بالمجتمع فوضع إصبعه على خلل القلوب والأرواح، وضعه على الحب والكره، والشر والخير، الغني والفقير، التماثيل المصنوعة بسكر وتلك التي لا روح فيها ولا طعم ولا رائحة ولا خير يرجى منها..
ثم انتقل للمرأة التي جعل في إهدائه الكتاب لها ممثلة بزوجته الحبيبة، فجعلها فاكهة الحياة متوغلاً قليلاً في أنواع المرأة حسب تصنيف ذائقته وذاكرته وقناعته، فجعلها اسفنجية وهلامية وياسمينة، وزئبقية، ومتذاكية وغيرها.. كمن يدخل مصنعاً للمجوهرات أو مصنعاً للعطور.. يهادن النساء في سيدته الحب.. ويتلاعب بعقل المتلقي حسب المواصفات الموصوفة ليصل لمبتغاه في نثر الخلل وطح الوصفات الشافية لقاصدي دكاكين عطارته.
د. محمود الأكاديمي المتوغل في عالم التعليم والمتمكن من فهم خارطة الأمكنة والسياسات والأنظمة ومواطن العلة عن قرب، كان له القول والرأي وتسليط الضوء على ظواهر أكاديمية، وظواهر تخص الأكاديميين ذاتهم، وإشكاليات المعلم والمتعلم ومادة التعلم ذاتها، قبل أن ينتقل لمفصل الثقافة الذي عرج فيه لخطابات الحب والكراهية، وللمثقفين ولأنصاف الثقافة، ومدعيها، للأدب ووظيفته، للخطاب الديني والجماهيري، للقوى التي تؤثر على منحنيات الحب بالأساس..
التربية والتعليم مفصل مهم ولج من بوابته د. محمود عساف على نفس الشاكلة، ليسلط الضوء على قضايا تربوية بالغة في الأهمية مهمة للنشء وللقائمين عليه، ولأصحاب القرار أيضاً، قبل أن ينهي إفراطه الذي لم يكتمل بالفساد.. الفساد بأنواعه وأدرانه، ومهلكاته، ومساربه التي لا تنتهي وحيله التي لا حصر لها والذي ينخر في المجتمعات المتهالكة التي تتهافت على الكراسي، وتلتصق بالصمغ المقوى فيها فلا تقوم عنها إلا بالموت، وحتى حين الموت نجد الورثة الذين يرثون الصمغ ذاته ليلتصقوا ردحاً جديداً مديداً من الزمن الفاسد في متتالية مقيتة مفاتيحها مربوطة في عكاكيز الإغريق..
إفراط لم يكتمل كتاب تربوي اجتماعي ثمين حقيقة، لغة كاتبه رصينة بقبولها أحياناً بالأدب والمفردات السردية التي تزيد من جمال أسلوب الطرح، وتجعل الملتقي لا يتوان عن القراءة دون ملل.. كتاب أوصي بقراءته لجميع التربويين والمشتغلين بعلم الاجتماع والمثقفين، كما أوصي بإدراجه ضمن كتب للطلبة ضمن التعليم اللامنهجي للكبار، لأن فيه حكمة، وخبرة، ودقة.. فيه من الحب الكثير ومن الاستئناس الأكثر، وفيه من القرب من خبايا القارئ الأكثر والأكثر، وفيه لنا نحن السيدات تحديداً العزاء الذي لمسناه في فاتحة الإهداء حيث الوفاء والحب يليق بنا جميعاً نحن سيدات فلسطين الكنعانيات ...