قراءة نقدية أولية في نتائج الثانوية العامة
تاريخ النشر : 2021-08-05 07:33

بعيدا عن الوجدان الشعبي والبعد العاطفي الأسري فيما يتعلق بنتائج الثانوية العامة، وبعد أن نهنىء الناجحين ونتمنى حظا أوفر للمتعثرين إلا أن المتمعن في نسب النجاح، وتوزيع الدرجات، يجد أن خللا ما قد أصاب العملية التقييمية والقياسية، وأن هذا قد يضر بالعملية التعليمية برمتها فيما يتعلق بروح المنافسة، والجهد التعليمي، والاجتهاد والمثابرة. فنسبة النجاح في القسم العلمي نسبة مرتفعة لا تمت للواقع بصلة حسب اعتقادنا، ووفق قراءة متمعنة لواقع الطلبة، ولواقع العملية التعليمية وما أصابها من معوقات وتحديات تمثلت في جائحة كورونا وفي العدوان الصهيوني على قطاع غزة. فهل كان هناك رؤية تنطلق من الرحمة ومراعاة ظروف الطلبة، إذ يبدو أن الرحمة كانت سكر زيادة على ما نقل عن الرئيس ياسر عرفات بأن ديموقراطيننا الفلسطينية سكر زيادة، فأصبح ذلك ينطبق على تصحيحنا لأوراق الطلبة بأنها سكر زيادة، وزيادة جدا. فالمبدأ دوما يجب أن ينطلق من القول " إن العدل قبل الرحمه". ولذلك يبدو جدا أن هناك رحمة في التصحيح فاقت كل السنوات السابقة. فهل يعقل أن نسبة التميز أي فوق 90 تكون 48.9 أي تقريبا النصف. فلو أن دكتور جامعي كانت عنده نسبة التفوق في شعبته 50 في المائة فيجب أن يتعرض للجنة تحقيق. فلابد أن يكون هناك خللا ما في قياس الأسئلة أو كمية المادة الدراسية وثرائها، أو وجود غش في الامتحان، أو ضعف وتساهل في التصحيح ... الخ. لذلك أعتقد أننا بحاجة إلى لجنة تحقيق مستقلة من خبراء تربويين في القياس والتقويم لدراسة نتائج الثانوية العامة لهذا العام، والبحث عن جوانب الخلل في عملية التقييم والقياس مما يهدد بفقدان العملية التعليمية والتعلمية هيبتها. فهل يعقل أن تكون نتائج تصل إلى 99.9 فأين الدقة في تصحيح اللغة العربية والانشاء، وأين الدقة في تصحيح اللغة الانجليزية وموضوع التعبير، وأين الدقة في تصحيح التاريخ وأسئلته المقالية، وأين الدقة في تصحيح مواد أخرى. فلو قدم أستاذ المادة الامتحان لربنا لم يحصل نصفهم علامة كاملة في مواد تحتوي على أسئلة مقالية. كما لا يعقل التمييز بين الأوائل فجاء أغلبهم مكرر مما أفقد التمييز والتمايز بين المتفوقين. فلأول مرة من حصل على معدل 99.6 ليس من العشرة الأوئل. كما من المخالف للمنطق أن يكون هناك المئات ممن حصلوا على معدل 99.  بينما من حصل على مجاميع بين 50  إلى 60 أقل من هذا العدد. فأغلب الطلبة الأن إلى الجامعات وفق مجامعيهم، وليس كليات المجتمع المتوسطة أو الكليات المهنية.

إن سيادة مبدأ الرحمه ومراعاة الظروف قد تجاوز الحدود هذا العام، وضرب بعرض الحائط مبدأ العدالة والانصاف، واعطاء كل ذي حق حقه. فما حدث لا يخرج عن كونه غش للطالب، وعدم منحه ما يستحق فقط، منا يعني عدم الانسجام مع قدرات الطالب، فهناك من سيذهب لكليات علمية تحتاج دراسة وقدرات علمية لا يمتلكها لأنه تم غش الطالب بعدم اعطائه التقييم الحقيقي لمستواه وقدراته فيدخل الطالب في حالة غرور وتيه. وبالتالي ينطبق هنا حديث رسول الله " من غشنا فليس منا"، لأنه تم غش الطالب ومنحه ما لا يستحق. ولم يتم التمييز الحقيقي في القدرات. وبالتالي ضربت معايير العدالة والانصاف مما يهدد العملية التعليمية برمتها. ويثبط عزيمة المتفوق، فطالما نصف الطلبة في التسعين فما فائدة القراءة والاجتهاد. وما دام الرحمة تفوقت على العدالة فما فائدة الجد والمثابرة.

لذلك أدعو المختصين إلى مزيد من تسليط الضوء على كارثية الخلل في العملية التقويمية وانعكاساتها السلبية على العملية التعليمية.