ياسر عرفات رجل المواقف الصعبه
تاريخ النشر : 2022-07-02 17:12

تعجز العقول ان تنسج من الاحرف كلمات تصاغ في جمل، والجمل تسطر لتكون مقالات والمقالات تتوحد كي تكون كتب، والكتب تفهرس كي تكون مجلدات، والمجلدات تسطر وتنظر كي تكون مكتبات، والمكتبات تتوحد كي تكون ابحر والأبحر تتلاقي كي تكون محيطات والمحيطات تخرج لنا بكلمات رثاء عن الياسر والرمز والرئيس والقائد، ولكن هيهات هيهات ان تنجح الأحرف والكلمات والجمل والمقالات والمكتبات والابحر والمحيطات في رثاء رجل كان قدره ان يكون امة وكان قدر الامة ان يكون فيها رجل ليس كباقي الرجال.

نعم يا قائدي وسيدي الحكيم الرمز ياسر عرفات، فان فراقك وفراق كل قادتنا الأوائل يعز علينا وان فراقكما ثلمة في العلم والجهاد والدين، واه يا ابا عمار لو تعلم كم أبكيت قلوبنا فرحا عندما رجعت الينا منتصرا مزهوا رافعا رأسك كما هو عهدك ابدا عندما عدت إلى وطنك فلسطين في 1 تموز 1994 وانت تستقبل من قبل جماهير فلسطين بفصائلها وشبابها ونسائها وشيوخها وأطفالها استقبالا حاشدا في قطاع غزة التي كانت مدخلك إلى وطنك ووطن اجدادك فلسطين، وكيف كانت اصوات الجماهير تدوي دويا عظيما وهي تردد (ابو عمار سير سير واحنا وراء للتحرير) ورأى كل العالم استقبال وحب الجماهير لك يا قائدي وسيدي في باقي مدن وبلدات ومحافظات وقرى فلسطين التي مررتّ بها في طريقك حتى وصولك مدينة غزة في باحة الجندي المجهول، وكيف ننسى سيدي جماهيرك وهي ترافقك وتساندك وتشد من عضدك وأزرك، ووانت القوي السديد برأيك وجهادك ومقاومتك للمحتلين الصهاينة، وكل عزائنا انا نرى صورتك وصورة شهداء كل فلسطين، كل يوم في وجوه وشخوص الأطفال والزهرات والطلائع في الوطن الفلسطيني.

وبمرور السنوات وبحسابات المواقف وبهمم الرجال، إكتشفنا سيدي وقائدي ياسر عرفات أنك رجل في أمة فكانت رسالاتك رسالة سلام وشعارك كان شعار جهاد بقوة واصرار لم تكن تعرف ضعف ولا تؤمن بالمستحيل، كنت صعب المراس، والرقم الأصعب، صلب لا ينكسر، مرن لم تلوه الصعاب، ولم ينحنِ أمام الرياح العاتيات، استقبلتها بصدرك فكنت في المقدمة تلقى الضربات عن أبناءك وجماهيرك وعن كل فلسطين، لقد كنت صخرة تكسرت عندها كل العاديات والمؤامرات التي تحاك ضد مصير هذه الجماهير المظلومة وقضيتها الوطنية المركزية المقدسة، مثل مصداً وحاجزاً وجداراً وحصناً منيعاً أمام كل ما يضر وطنك وشعبك وقضيتك ومقدساتك.

لقد أرخيت ببزتك العسكرية على الجميع وظللت بكوفيتك الجميع، فاستقبلت اعداءك ونصحت مناوئيك، وتواضعت لمحبيك، فلم يبقِ شيء الا فعلته من اجل وطنك فلسطين ومن اجل شعبها، فبفقدك فقدت فلسطين المقاتل والمجاهد والحامي والمواسي والناصر واناصح والمدافع والقائد الصلب والعالم العارف بخفايا الأمور والحكيم المدبر بفقدك سيدي وقائدي ياسر عرفات فقدنا مثال الصبر وقدوة الجهاد والقلب العطوف وخسرنا نموذج القيادة الصالحة التي تعطي بلا حساب، ومن لا يهتم بالمغانم فالشخصنة بعيدة عنك لأن نكران الذات نهجك التسامي عن الصغائر والمسير نحو الهدف الأسمى والطريق المستقيم مسارك، رحلت وفلسطين وصيتك ولم الشمل غايتك ما فعلته في حياتك هو التسامح والتنازل للأخوة والعطف على المحروم والتعامل بحزم مع المتجاوز، أردت أن يكون وطنك فلسطين كلمة لم تعجزك السبل ولم تقف عند حد صورتك ابتسامتك صوتك الشجي المليء بالحزن، لم يوقفك المرض وانت تصارعه في كل لحظة في كل دقيقة في كل ساعة في كل كلمة في كل شبر في كل حركة، كنت لفلسطين، توكلت على الله ونصرت المظلوم تحملت الكثير فكسبت الكثير كسبت حب الجماهير التي تبكيك لحتى الان، وأخذت اجمل صفة واغلى ما يعطيه إنسان، فصرت حبيب فلسطين وعشيقها، ومن كسب حب المخلوق نال رضى الخالق.

عقود من الزمن سيدي وقائدي ياسر عرفات وانت في حركة مستمرة بين دول العالم وبين شعبك واهلك لم تمل ولم تكل وكنت ندا قويا ثابتا على الحق ولن تحيد شعرة واحدة لنيل حقوق شعبك الفلسطيني التي سلبها المحتل الصهيوني. لم يقعدك المرض عن مزاولة اعمالك الجهادية وكنت متابعا دقيقا لكل صغيرة وكبيرة تهم شعب فلسطين عامة وجماهير حركة فتح خاصة. استطعت رغم كل الآلام التي تعانيها ان تعيد حقوق غالبية الشعب الفلسطيني التي كانت مسلوبة ازمان وازمان من قبل المحتلين الذين حكموا شعبنا وجماهيرنا بالحديد والنار.

مهما كتبنا سيدي وقائدي أبو عمار ومهما قلنا عنك نبقى عاجزين عن الوفاء لك ولجهادك وكفاحك الطويل والعظيم ايها القائد المظلوم من قبل الكثيرين الذين لا يعلمون مدى اخلاصك وحبك الكبير لوطنك. كنت تختلف عن الكثير من القادة الذين يتباهون بأفعالهم الصغيرة ويتكلمون اكثر مما يفعلون وانت كنت تعمل الكثير ولكنك لم تمدح نفسك يوما ولم تتكلم عن نفسك ابدا، بل كنا نسمع منك كلاما بسيطا لكنه يحمل الاما عظيمة تحملها في صدرك عن معاناة شعبك وجماهيرك وقضيتك. فلم تنكسر امام الأمريكان والاسرائيليين ولم تساوم رغم كل المحن والضغوط التي كنت تعانيها من قبل الاحتلال الصهيوأمبريالي وبعض رؤساء الدول العربية.

سيدي وقائدي ياسر عرفات فانت ايها العلم الشامخ الذي لم ينكسر امام كل الصعاب التي مرت بشعبك كنت مجاهدا لايعرف الملل ولا السكون تحديت المحتل الصهيوني وكسّرت انوفهم بقدميك، فكنت رجلا لا يعرف النوم ولا الراحة تجاهد وتكافح من اجل شعبك ورسالتك، افنيت حياتك في خدمة الوطن والرسالة كنت صابرا ثابتا على نهج اخوانك في اللجنة المركزية لحركة فتح رغم كل المحن والمصائب التي مرت على شعب فلسطين.

سيدي وقائدي ياسر عرفات، وسيكتب التاريخ تلك المواقف الكبيرة بأحرف من نور، فنم قرير العين فالامانة التي أودعتها قد حملها رجال ُ لا تأخذهم في الله لومة لائم، نم قرير العين فنحن أبناؤك وأخوتك وجماهيرك ساهرون على تحقيق حلمك في وطن ينعم بالاستقرار والامن والرفاه والإزدهار والإستقلال، ايها الرمز الشهيد لقد عجَّلت بالرحيل لأنك لم تستطع أن تبقى بعيدا ً عن أحبابك ورفاق دربك' خليل الوزير واحمد ياسين وفتحي الشقاقي وابو علي مصطفى وحيدر عبد الشافي وعمر القاسم وعطايا أبو سمهدانة وأبو العباس وفيصل الحسيني وسمير غوشة' الذين أحببتهم وأحبوك ولكنك رحلت عن جماهيرك، ايها الشهيد الحبيب وإن عزَّ علينا فراقك ولكن الله إختار لك دارك التي تقيم بها مع كل شهداء فلسطين الأطهار، فسلام عليك يوم ولدت ويوم نهلت من نمير عز الدين القسام وعبد القادر الحسيني واحمد الشقيري، رحمهم الله ويوم عشت مناضلا ومقاوما ً بعيدا عن وطنك فلسطين الذي عشقته وسلام عليك يوم وطئت قدماك ارض الوطن ويوم رحلت إلى خالقك ويوم تبعث حيا ً فرحمك الله وأسكنك فسيح جنانه.